شرح بلوغ المرام
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
شرح
بلوغ المرام
من أدلة الأحكام
للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ).
بطريقة سؤال وجواب
بقلم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
م/ الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديمًا وحديثًا والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد وآله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيرًا حثيثًا وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم والعلماء ورثة الأنبياء أكرم بهم وارثًا وموروثًا أما بعد
فهذا مختصر يشمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام حررته تحريرًا بالغًا ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا، ويستعين به الطالب المبتدئ ولا يستغني عنه الراغب المنتهي.
وقد بينت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة لإرادة نصح الأمة.
فالمراد بالسبعة أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وبالستة من عدا أحمد، وبالخمسة من عدا البخاري ومسلم. وقد أقول الأربعة وأحمد، وبالأربعة من عدا الثلاثة الأول، وبالثلاثة من عداهم وعدا الأخير، وبالمتفق البخاري ومسلم، وقد لا أذكر معهما، وما عدا ذلك فهو مبين.
وسميته: بُلُوغُ اَلْمَرَامِ مِنْ أَدِلَّةِ اَلْأَحْكَامِ.
والله أسأله أن لا يجعل ما علمناه علينا وبالًا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه ﷾.
===
١ - ما مراد المؤلف ﵀ بقوله عقب تخريج الحديث: أخرجه السبعة؟
مراده بالسبعة: البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ومسلم (ت ٢٦١ هـ) وأبو داود (ت ٢٧٥ هـ) والترمذي (ت ٢٧٩ هـ) والنسائي (ت ٣٠٣ هـ) وابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ) وأحمد (ت ٢٤١ هـ).
٢ - ما مراد المؤلف ﵀ بقوله: أخرجه الستة؟
مراده: البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ومسلم (ت ٢٦١ هـ) وأبو داود (ت ٢٧٥ هـ) والترمذي (ت ٢٧٩ هـ) والنسائي (ت ٣٠٣ هـ) وابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ) ما عدا أحمد.
٣ - ما مراد المؤلف ﵀ بقوله: أخرجه الأربعة؟
مراده: أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) والترمذي (ت ٢٧٩ هـ) والنسائي (ت ٣٠٣ هـ) وابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ)
٤ - ما مراد المؤلف ﵀ بقوله: أخرجه الثلاثة؟
مراده: أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) والترمذي (ت ٢٧٩ هـ) والنسائي (ت ٣٠٣ هـ) ما عدا ابن ماجه.
٥ - ما مراد المؤلف ﵀ بقوله: متفق عليه؟
مراده: البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ومسلم (ت ٢٦١ هـ).
1 / 2
كتَابُ اَلطَّهَارَةِ
بَابُ اَلْمِيَاهِ
• عرف الطهارة لغة وشرعًا؟
الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية، فالأقذار الحسية: كالبول ونحوه، والمعنوية: كالشرك وكل خُلق رذيل.
وشرعًا: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث.
الحدث: هو الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، ويدخل في هذا الوصف البول والريح وأكل لحم الإبل ونحو ذلك.
- قولنا (ما في معناه) أي: في معنى ارتفاع الحدث، كتجديد الوضوء، فهو طهارة، وكذا الأغسال المسنونة.
- وقولنا (زوال الخبث) أي: النجاسة، فإذا وقعت على ثوبه نجاسه فطهرها، هذه تسمى طهارة.
• لماذا يبدأ العلماء مصنفاتهم بكتاب الطهارة؟
يبدأون بذلك لأمور:
أولًا: لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة لقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا …)، ولقوله ﷺ (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) متفق عليه.
ثانيًا: أن الطهارة تخلية وتنظيف، والتخلية قبل التحلية.
ثالثًا: لأجل أن يتذكر المتعلم بتطهير بدنه تطهير نيته وقلبه لله ﷿.
1 / 3
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْبَحْرِ: (هُوَ اَلطُّهُورُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَاَلتِّرْمِذِي.
===
• اذكر سبب الحديث؟
عن أَبَي هُرَيْرَةَ. قال (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ).
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على طهورية ماء البحر، وأنه يرفع الحدث الأصغر والأكبر، وأنه يزيل النجاسة.
قال ابن عبد البر: وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء أن البحر طهور ماؤه وأن الوضوء جائز به إلا ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ولا عرج عليه ولا التفت إليه لحديث هذا الباب عن النبي ﷺ. (التمهيد).
1 / 4
وقال ابن قدامة: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْبَحْرِ: التَّيَمُّمُ أَعْجَبُ إلَيْنَا مِنْهُ.
هُوَ نَارٌ.
وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى:
أ-لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَمَاءُ الْبَحْرِ مَاءٌ، لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ.
ب- وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ج-وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ مَاءُ الْبَحْرِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ).
د-وَلِأَنَّهُ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى أَصِلْ خِلْقَتِهِ، فَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْعَذْبِ.
وَقَوْلُهُمْ (هُوَ نَارٌ) إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَاءً .... (المغني).
• ما صحة حديث: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلاَّ حَاجٌّ، أَوْ مُعْتَمِرٌ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا) رواه أبو داود؟
ذهب بعض العلماء إلى المنع من استعمال البحر استدلالًا بهذا الحديث.
ولكن هذا الحديث ضعيف لا يصح.
روى البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٣٤) عن البخاري قال: لم يصح حديثه يعني حديث بشير بن مسلم هذا.
وبوب له ابن خزيمة بقوله في صحيحه: باب الرخصة في الغسل والوضوء من ماء البحر إذ ماؤه طهور ميتته حل ضد قول من كره الوضوء والغسل من ماء البحر وزعم أن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا حتى عد سبعة أبحر سبعة نيران وكره الوضوء والغسل من مائة لهذه العلة زعم، ثم روى الحديث، وحديث عبد الله بن عمرو قال فيه البخاري لا يصح.
1 / 5
وقال ابن عبد البر في التمهيد: حديث ضعيف مظلم الإسناد لا يصححه أهل العلم بالحديث، لأن رواته مجهولون لا يعرفون.
وقال الخطابي: ضعفوا إسناده.
وقال ابن الملقن: ضعيف باتفاق الأئمة.
• لماذا لم يجب النبي ﷺ حينما سأله الرجل (بنعم) وإنما قال: (هو الطهور ماؤه)؟
لم يجب النبي ﷺ بنعم لأمرين:
الأول: لأنه لو قال (نعم) لفهم من ذلك أن جواز الوضوء بماء البحر خاص بحالة الضرورة التي سأل عنها السائل، فلا يكون عامًا بحالة الضرورة وغيرها، فلما قال (هو الطهور ماؤه ..) دل على أن جواز الوضوء بماء البحر عام في حالة الضرورة وفي غيرها.
والثاني: أنه أراد أن يبين أن استعمال ماء البحر عام في الوضوء وفي غيره من الطهارات، لأن السؤال (أفنتوضأ) فلو قال: نعم، لربما ظن البعض أن هذا خاصًا بالوضوء دون الغسل، فلما قال (هو الطهور ماؤه) دل على أن ماء البحر يمكن استعماله في الوضوء وفي غيره من الطهارات.
• لماذا زاد النبي ﷺ في الإجابة (الحل ميتته)؟
زاد النبي ﷺ بقوله (الحل ميتته) لأمرين:
الأول: لأن هذا الرجل كان مظنة أن يخفى عليه حكمها، وذلك لأنه سأل عن ماء البحر مع أن المعلوم أن الأصل في المياه كلها الطهارة، فما دام خفي عليه حكم ماء البحر فمن باب الأولى أن يخفى عليه حكم ميتة البحر مع أن الأصل في الميتات التحريم.
الثاني: هو يركب البحر وحاجته ماسة إلى معرفة ميتته فزاده النبي ﷺ بذكر هذه الفائدة.
• ما المراد بميتة البحر؟
المراد: كل ما لا يعيش إلا في البحر.
[الميتة تعريفها: كل ما لم يذكى ذكاة شرعية].
• ما حكم ميتة البحر؟
حلال.
فجميع ميتات البحر التي لا تعيش إلا فيه حلال.
أ-لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ).
ب- ولحديث الباب (الحل ميتته).
ج- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ) رواه ابن ماجه (وسيأتي الحديث إن شاء الله).
د- وعن جَابِر قال (غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبَطِ، وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى البَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ العَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (كُلُوا، رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ) فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ) متفق عليه. (قال في "لسان العرب" (٢/ ٢٦): الحُوتُ السمك، وقيل هو ما عظُمَ منه).
1 / 6
• وسئل علماء اللجنة: هل سمك القرش حرام أم حلال؟
فأجابوا: السمك كله حلال، سمك القرش وغيره؛ لعموم قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه)، وقوله ﷺ في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
• ما حكم ما يعيش بالبحر وخارجه (البرمائيات)؟
اختلف العلماء في مثل هذا النوع من الحيوانات:
أولًا: التمساح:
اختلف الفقهاء في أكل التمساح.
فذهب الجمهور إلى تحريم أكله.
وذهب المالكية إلى الجواز، وهو رواية عن أحمد ﵀.
وحجة من حرمه أن له نابا يفترس به.
وحجة من أباحه دخوله في عموم قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ).
وقول النبي ﷺ في البحر (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أيحل أكل التمساح؟
فأجابوا: … أما التمساح فقيل: يؤكل كالسمك؛ لعموم ما تقدم من الآية والحديث، وقيل: لا يؤكل؛ لكونه من ذوات الأنياب من السباع، والراجح الأول.
ثانيًا: الضفدع.
لا يجوز أكله.
لنهي النبي ﷺ عن قتلها.
كما في حديث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ (أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ، يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا) رواه أبو داود.
والقاعدة أن كل ما نهي عن قتله فلا يجوز أكله، إذ لو جاز أكله جاز قتله.
وذهب بعض العلماء إلى جواز أكله.
لعموم قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ).
ولقوله ﷺ (… الحل ميتته).
1 / 7
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- نقل الماوردي في الحاوي (١/ ٣٣) عن الحميْدي، قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ نِصْفُ الْعِلْمِ الطَّهَارَةُ، وَلَعَمْرِي إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى طَهَارَةِ مَا يَنْبُعُ مِنَ الْأَرْضِ الوضوء به، وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى طَهَارَةِ مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ الوضوء به، وَالْمَاءُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ أَوْ نَابِعًا مِنَ الْأَرْضِ.
- قال النووي: استحب العلماء أن يزيد (أي المفتي) على ما في الرقعة ما له تعلق بها مما يحتاج إليه السائل لحديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته. (مقدمة المجموع).
- قال ابن القيم: فمن جود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر له نظائرها ومتعلقها ومأخذها بحيث يشفيه ويكفيه، وقد سأل الصحابة ﵃ النبي ﷺ عن المتوضاء بماء البحر فقال (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فأجابهم عن سؤالهم وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه .... (مدارج السالكين).
1 / 8
٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَلْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) أَخْرَجَهُ اَلثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ.
٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ (إِنَّ اَلْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ
٤ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ: (اَلْمَاءُ طَاهِرٌ إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ; بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ)
٥ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ: (إِذَا كَانَ اَلْمَاءَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ اَلْخَبَثَ) وَفِي لَفْظٍ: (لَمْ يَنْجُسْ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ. وَابْنُ حِبَّانَ
===
(إذا كَانَ اَلْمَاءَ قُلَّتَيْنِ) بضم القلة، تثنية قلة، وهي الجرة الكبيرة من الفخار، سميت بذلك لأنها تُقَل، أي: تحمل، وهي قلال هجر، معروفة عند الصحابة، مقدر القلتين ٥٠٠ رطل بالبغدادي، وهي خمس قرب، قال الشافعي: "الاحتياط أن تكون القلتان قربتين ونصفًا " وتقدران بحوالي (٣٠٧) لترات، أو (١٠٢) كيلو.
(لَمْ يَحْمِلْ اَلْخَبَث) هو بفتحتين النجس كما وقع تفسير ذلك بالنجس في الروايات المتقدمة، والتقدير: لم يقبل النجاسة بل يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلتين معنى فإن ما دونهما أولى بذلك.
1 / 9
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث أبي سعيد (إِنَّ اَلْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) حديث صحيح.
صححه الإمام أحمد، ويحيي بن معين، وابن حزم، نقله عنهم الحافظ في التلخيص، وابن الملقن في البدر المنير.
وأما حديث أبي أمامة (إِنَّ اَلْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ) حديث ضعيف كما نقله الحافظ ابن حجر عن أبي حاتم.
وأما حديث ابن عمر (إذا بلغ الماء قلتين …) صححه جمع غفير من الحفاظ، وقال ابن حجر: صححه جماعة من أهل العلم.
فقد صححه: الشافعي، وأحمد، والطحاوي، والدارقطني، وابن دقيق العيد، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وحسن إسناده النووي.
وضعفه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٥) وابن القيم في تهذيب السنن (١/ ٦٢).
• ما الأصل في الماء؟
الأصل فيه الطهارة.
مثال: إنسان عنده ماء طاهر، وشك هل تنجس أم لا؛ فالأصل أنه طاهر.
لحديث الباب.
• إلى كم قسم ينقسم الماء؟
الصحيح أنه ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس.
لحديث أبي سعيد (إِنَّ اَلْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) فهذا الحديث يحكم للماء بالطهورية، وأن الماء طهور، وهذا العموم خص منه بالإجماع: إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه نجس بالإجماع.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت النجاسة الماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا أنه نجس ما دام كذلك.
فالنجس: ما وقعت فيه نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه.
1 / 10