شرح الأصول الخمسة
وأما الذي يدل على ثبوت التعبد به : الإجماع ، وهاهنا أصل آخر ، وهو أن ما هذا سبيله من الأخبار فإنه يجب أن ينظر فيه ، فإن كان مما طريقه العمل عمل به إذا أورد بشرائطه ، وإن كان مما طريقه الاعتقادات ينظر ، فإن كان موافقا لحجج العقول قبل واعتقد موجبه ، لا لمكانه بل للحجة العقلية وإن لم يكن موافقا لها ، فإن الواجب أن يرد ويحكم بأن النبي لم يقله ، وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره ، هذا إذا لم يحتمل التأويل إلا بتعسف ، فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول ، وفصيل هذه الجملة موضعه أصول الفقه.
* فصل
** في القضاء والقدر :
وجملة القول في ذلك أن القضاء قد يذكر ويراد به الفراغ عن الشيء وإتمامه. قال الله تعالى : ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) [فصلت : 12] وقال : ( فلما قضى موسى الأجل ) [القصص : 29] الآية ، وقال أبو ذؤيب :
وعليهما مسرودتان قضاهما
داود أو صنع التوابع تبع
وقد يذكر ويراد به الإيجاب. قال الله تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [الإسراء : 23] وقد يذكر ويراد به الإعلام والإخبار كقوله : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4)) [الإسراء : 4] واستعماله في هذه الوجوه لا يمنع من أن يكون حقيقة في بعضها متعارفا بها في الباقي ، كالإثبات فإنه حقيقة في الإيجاب ثم قد يذكر بمعنى الخبر عن وجود الشيء ، وقد يذكر بمعنى العلم.
وأما القدر فقد يذكر ويراد به البيان ، قال الله تعالى : ( إلا امرأته قدرناها من الغابرين ) [النمل : 57] وقال الشاعر.
واعلم بأن ذا الجلال قد قدر
في الصحف الأولى التي كان سطر
أمرك هذا فاجتنب منه التبر
وإذا قد عرفت ذلك ، وسألك سائل عن أفعال العباد أهي بقضاء الله تعالى وقدره أم لا؟ كان الواجب في الجواب عنه أن تقول ، إن أردت بالقضاء والقدر الخلق فمعاذ الله من ذلك ، وكيف تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهي موقوفة على قصورهم
صفحة ٥٢٢