ـ[التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح]ـ
مؤلف الأصل: أحمد بن محمد بن عبد اللطيف الشرجي [شرجة: موضع بنواحي مكة] الزبيدي [زبيد إحدى بلاد اليمن، ولد بها واشتهر ومات بها] الحنفي (المتوفى: ٨٩٣هـ)
الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير
دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير
[الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٢٦ درسا]
صفحة غير معروفة
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (مقدمة عن السنة وكتبها وبعض شروحاتها)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفيه من خلقه، وخيرته من بريته، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإن سنة النبي ﵊ عند عموم الأمة هي ثاني مصادر التشريع الإسلامي المعتبرة عند أهل العلم، ولم ينازع في ذلك إلا من أعمى الله قلبه من المبتدعة الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، كما جاء وصفهم في الحديث الصحيح، وقد قرن الله ﷾ طاعة رسوله ﵊ بطاعته ﷿، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [(٥٩) سورة النساء]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [(٣٢) سورة آل عمران] وقال عز من قائل: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [(١٣٢) سورة آل عمران] وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [(٧١) سورة الأحزاب] وقال جل من قائل: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [(٣٦) سورة الأحزاب].
يقول الشاطبي في الموافقات في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ﴾ [(٩٢) سورة المائدة] قال: "وسائرُ ما قرن الله فيه طاعة رسوله ﷺ بطاعته فهو دالٌ على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعة الرسول ﷺ ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله".
1 / 1
وقال -جل وعلا-: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [(٦٥) سورة النساء] يقول العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين: "أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتفِ في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق من قضاءه وحكمه، ولم يكتفِ منهم أيضًا منهم بذلك حتى يسلموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا".
الإمام الشافعي ﵀ في الرسالة يقول: "هذه الآية يعني قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [(٦٥) سورة النساء] هذه الآية نزلت فيما بلغنا -والله أعلم- في رجلٍ خاصم الزبير في أرضٍ، فقضى النبي ﷺ بها للزبير، وهذا القضاء سنة من رسول الله ﷺ لا حكمًا منصوص في القرآن، والقرآن يدل -والله أعلم- على ما وصفت؛ لأنه لو كان قضاءٌ بالقرآن لكان حكمًا منصوصًا في كتاب الله، وأشبه أن يكونوا إذا لم يسلموا الحكم لكتاب الله نصًا غير مشكل الأمر أنهم ليسوا بمؤمنين إذ ردوا حكمًا تنزيلي فلم يسلموا".
المقدم: الشيخ الخضير: كأنكم تشيرون أيضًا من خلال هذه النقول إلى وجود فرق بين القبول والرضا أيضًا بالنسبة للسنة، فلا يعني أيضًا مجرد القبول بحكم السنة الإيمان، لا بد مع القبول الرضا، لو وجد من قبل السنة ولكنه لم يرض بها فلا يحكم له بهذا الأمر.
أولًا: التحكيم، التحاكم إلى السنة، ثم القبول والرضا بما حكم به الرسول ﵊، بعد ذلكم التسليم والانقياد لما حكم به ﵊، لكن قد يقول قائل: أن الإنسان قد يجد في نفسه شيء من الحكم إذا كان ضد مصالحه، كما يوجد من كثيرٍ من يحكم عليهم عند القضاة إذا كان الحكم ليس في صالحهم فإنهم يجدون في أنفسهم ولا بد، المقصود أن لا يتحدث بما في نفسه، ولا يحمله هذا على أن يقدح في الحكم الشرعي.
1 / 2
أما وجود ذلك في نفسه فهذا أمرٌ جبلي، كل إنسان يود أن يكون الحكم لصالحه، ومن ذلكم ما يثار كثيرًا من قضايا تعدد الزوجات مثلًا، كثيرًا من النسوة تعرف أن هذا شرع الله، وهذا حكم الله، لكن لا ترض أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة، وهي التي تقدر مصلحتها، لكن لا بد من الرضا والانقياد لحكم الله وحكم رسوله، لنعلم أن هذا شرع من الله ﷾، فلا بد من الرضا به سواءٌ كان في كتابه أو جاء على لسان رسوله ﵊ لا فرق.
المقدم: فضيلة الدكتور: في قولكم في المقدمة بأنها هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، هذا الترتيب فقط من أهل العلم بحيث جعلوا مصدر أول ومصدر ثاني ومصدر ثالث.
نعم، باعتبار أن المتكلم بكتاب الله ﷾ هو الله ﷿، فالقرآن يختلف عن السنة من وجوه منها: أنه متعبد بتلاوته، والسنة وإن كان يجب تحكيمها، ويجب الإيمان بها، ويجب العمل بمقتضاها، إلا أنه لا يتعبد بتلاوتها.
المقدم: لكن حجيتها مثل حجية القرآن؟
حجيتها مثل القرآن تمامًا.
المقدم: إنما مراد الفقهاء بالتقسيم لذات التقسيم؟
لذات التقسيم باعتبار القائل، وإلا فالسنة وحيٌ كما جاء عن الله ﷿: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم] يقوله في حق نبيه ﵊، وثبت عنه ﵊ أنه قال: «عليكم بسنتي» وقال ﵊: «لا أوتين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتب الله اتبعناه» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث أبي رافع.
وجاء عنه ﵊ أنه قال: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإنما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي نابٍ من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها» الحديث مخرج في السنن، سنن أبي داود والترمذي والحاكم عن المقدام بن معدي كرب.
1 / 3
على كل حال السنة بالنسبة للاحتجاج مثل القرآن سواءً بسواء، لا تختلف عنه، فما ثبت بالسنة يجب العمل به سواء قلنا: أنه مثل القرآن في القطعية في الثبوت أو دونه.
المقدم: اخترتم كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، ما المراد بالجامع الصحيح هنا؟
الجامع الصحيح المراد به ما اشتهر عند الناس واستفاض لديهم من صحيح البخاري الذي سماه مؤلفه (الجامع الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه).
المقدم: لعلكم تتحدثون إذًا عن البخاري وعن صحيحه ما دام هذا الكتاب باختصار.
البخاري -رحمه الله تعالى- هو أمير المؤمنين في الحديث: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه البخاري، ولد -رحمه الله تعالى- سنة (١٩٤هـ) ببخارى، ومات أبوه وهو صغير، فكفلته أمه وأحسنت تربيته، وقد ظهر نبوغه من صغره وهو في الكتاب، فرزقه الله ﷾ قلبًا واعيًا وحافظة قوية، وذهنًا حادًا، ووفق لحفظ الحديث فأخذ منه بحظٍ كبير، ولما يبلغ العاشرة من عمره، ثم صار يختلف إلى علماء عصره وأئمة بلده فأخذ الحديث والعلم عنهم، وصار يراجعهم في بعض ما سمع منهم، وقد بلغ عدد شيوخه فيما روي عنه ثمانين وألف نفس (١٠٨٠) ليس فيهم إلا صاحب حديث، وقد بلغت محفوظاته ﵀ أنه يحفظ من الحديث الصحيح مائة ألف، ويحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح، يحدث هذا الكم الهائل من السنة، فرحمه الله تعالى رحمةً واسعة.
وقد أثنى عليه جمعٌ من الحفاظ من أقرانه، فقد قال أبو حاتم الرازي: "لم تخرج خرسان قط أحفظ منه، ولا قدم إلى العراق أعلم منه"، وكذلك أثنى عليه الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن فقال: "رأيتُ علماء الحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل" وروى الحاكم بسنده أن مسلمًا الإمام صاحب الصحيح جاء إلى البخاري فقبله بين عينيه، وقال: "دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله".
1 / 4
وأما ثناء من جاء بعده فيكفي في ذلك قول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مقدمة الفتح، يقول: "لو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس، ونفذت الأنفاس، فذلك بحرٌ لا ساحل له".
وعلى كل حال ترجمة الإمام البخاري مدونة ومسطرة ومفردة ومع غيره من الأئمة، صنفت في ترجمة المصنفات التي منها المجلد، ومنها المجلدان، ومنها ما يبلغ المئات من الصفحات في ثنايا الكتب، وألف عن كتابه الصحيح العشرات من المؤلفات والرسائل العلمية، كلٌ يتناوله من جهة، ولا يزال الصحيح بحاجة إلى خدمة، وإن كان مشروحًا من أكثر من ثمانين شرح فيما عده صاحب كشف الظنون، والشروح أضعاف هذا العدد الذي ذكره مما لم يطلع عليه وممن تأخر عنده.
الإمام البخاري له مصنفات غير الجامع الصحيح، التواريخ الثلاثة (الكبير والأوسط والصغير) كتاب التفسير الكبير، وله الأدب المفرد، وله القراءة خلف الإمام، ورفع اليدين، وله غيرها من الكتب.
توفي ﵀ ليلة عيد الفطر سنة (٢٥٦) عن اثنتين وستين عامًا، بقرية يقال لها: خرتنك على فرسخين من سمرقند.
المقدم: كانوا يتكلمون العربية -فضيلة الدكتور- في بخارى قبل أن يتعلمها هو؟
نعلم أن الأعاجم لما دخلوا في الإسلام عنوا بلغة الإسلام، بلغة القرآن، فتعلموها وأتقنوها وضبطوها وحفظوها حتى برز أكثرهم وصنف فيها، بل أكثر المؤلفين والمصنفين في علوم العربية بفروعها العشرة منهم، ويكفينا من ذلكم سيبويه صاحب الكتاب ليس بعربي، وهو أشهر كتابٍ في العربية على الإطلاق، على كل حال معرفة الأعاجم للعربية أمرٌ مستفيض ظاهر معروف، ومؤلفتاهم كثيرة جدًا تغني عن الإفاضة عن هذا الموضوع.
1 / 5
صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أول كتاب صنف في الصحيح المجرد من غيره، فقد كان الأئمة قبل الإمام البخاري لا يقصرون كتبهم على الأحاديث الصحيحة، بل كانوا يجمعون بين الصحيح والحسن الضعيف، تاركين التمييز بينها إلى معرفة القارئين والطالبين إلى معرفة هؤلاء بالرجال، ومقدرتهم على التمييز بين المقبول والمردود، وقد كانوا لا يهتمون بالتمييز فيما تقدم من الأزمان؛ لأنهم عندهم أن من ذكر الإسناد فقد برئ من العهدة، والمطلع على هذه الأسانيد يستطيع أن يميز، لكن لما دخلت العلوم، وكثر الداخلون في الإسلام، وقلت العناية بعلوم الشرع، احتاج الناس إلى من يميز لهم الصحيح من غيره، فجاء الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري فصنف كتابه الصحيح، فرأى أن يخص الصحيح بجمع فألف كتابه المذكور، وفي هذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
أول من صنف بالصحيحِ ... محمدٌ وخص بالترجيحِ
ومسلمٌ بعد وبعض الغرب معْ ... أبي عليٍ فضلوا ذا لو نفعْ
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- روي عنه أنه قال: "ما على ظهر الأرض كتابٌ بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك" وهذا كان قبل وجود الصحيحين، وإلا لو رأى الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- هذين الكتابين أعني صحيح البخاري وصحيح مسلم لما قال هذه المقالة، وشواهد الأحوال وواقع هذه الكتب يشهد بما ذكرنا ولذا فإن صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله ﷾ عند جماهير العلماء، وذهب بعض المغاربة إلى تفضيل صحيح مسلم، كما أشار الحافظ العراقي ﵀:
ومسلمٌ بعد وبعض الغرب معْ ... أبي عليٍ فضلوا ذا لو نفعْ
1 / 6
ولعل مرد التفضيل وسببه أن صحيح مسلم ليس فيه بعد الخطبة إلا حديث السرد، فقد جرده الإمام مسلم ﵀ من الموقوفات، وفتاوى الصحابة والتابعين، كما نقل ذلك القاسم التجريبي عن ابن حزم، وهذا غير راجع إلى الأصحية، نعم إذا نظرنا إلى الصحيحين من هذه الحيثية وجدنا صحيح الإمام مسلم مجرد، ليس فيه إلا الحديث بعد الخطبة، حتى التراجم الإمام مسلم ما ترجم كتابه، بخلاف البخاري الذي يشتمل على آلاف التراجم، ويشتمل أيضًا على آلاف الموقوفات من أقوال الصحابة والتابعين وفتاويهم.
المقصود بالتراجم الأبواب، باب ما جاء في كذا، باب حكم كذا، باب ... إلى آخره، هذه التراجم، الإمام مسلم جرد كتابه منها، وكون الإمام مسلم جرد كتابه من الموقوفات والمقطوعات من أقوال الصحابة والتابعين هذا غالبًا، وإلا يوجد فيه عدد يسير جدًا من الموقوفات، وفيه أيضًا بعض المعلقات، وإن كانت يسيرة جدًا.
من الموقوفات التي في صحيح مسلم، قول يحيى بن أبي كثير: "لا يستطاع العلم براحة الجسم" هذا الموقوف أدخله الإمام مسلم ﵀ بين أحاديث مواقيت الصلاة، وأشكل على جمع من الشراح مناسبة لهذا الخبر وهذا الأثر عن يحيى بن أبي كثير بين أحاديث مرفوعة في مواقيت الصلاة، ولعل الإمام مسلم ﵀ تعالى أعجبه سياق المتون والأسانيد، وأراد أن يلمح مثل هذا الضبط وهذا الإتقان لا يأتي براحة، لا يأتي مع الراحة، ولا يأتي مع الاسترخاء، بل لا بد من إتعاب الجسم، ولذا قال -رحمه الله تعالى-: "لا يستطاع العلم براحة الجسم، أو لا ينال العلم براحة الجسم" هذا الذي ذكروه وما نقل عن بعض المغاربة أن سبب التفضيل تجريد الإمام مسلم لكتابه من الموقوفات وأقوال الصحابة والتابعين وفتاويهم، هذا غير راجع إلى الأصحية، المفاضلة بين الصحيحين في الأحاديث الأصول المرفوعة التي هي العمدة في الكتاب.
1 / 7
ممن فضل مسلم على البخاري أبو علي النيسابوري، وأشار إليه الحافظ العراقي فيما تقدم، روي عنه قال: "ما تحت أديم السماء كتابٌ أصح من كتاب مسلم" وكلامه كما أشار ابن حجر محتملٌ للمدعى أنه أصح من كتاب البخاري، وهو محتملٌ أيضًا لنفي الأصحية خاصة دون المساواة، كونه لا يوجد أصح منه لا ينفي أن يوجد مساوي له، كون صحيح مسلم لا يوجد كتاب على وجه الأرض أصح منه لا ينفي أن يوجد كتاب مساويٍ له في الأصحية، ويتأيد ذلك بحكاية التساوي قولًا ثالثًا في المسألة، فأبو علي إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، ولم ينفِ المساوي، هذا ما قرره ابن حجر وتبعه عليه الحافظ السخاوي.
لكن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في مجموع الفتاوى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [(١٢٥) سورة النساء] يقول: "فإن قيل: الآية نصٌ في دينٍ أحسن من دين هذا المسلم لكن من أين له أنه ليس هناك دينٌ مثله؟ " الآية نصٌ في دينٍ أحسن من دين الإسلام، لكن من أين لهذا المسلم أن يدعي أنه ليس هناك دينٌ مثله؟ أجاب -رحمه الله تعالى- من وجوه: والوجه الأول هو الذي يعيننا هنا، فقال: "أحدها: أن هذه الصيغة وإن كانت في أصل اللغة لنفي الأفضل لدخول النفي على أفعل فإنه كثيرًا ما يضمر بعرف الخطاب يفضل المذكور المجرور بمن مفضلًا عليه في الإثبات، فإنك إن قلت: هذا الدين أحسن من هذا كان المجرور بمن مفضلًا عليه، والأول مفضلًا، فإذا قلت: لا أحسن من هذا أو من أحسن من هذا أو ليس فيهم أفضل من هذا، أو ما عندي أعلم من زيد، أو ما في القوم أصدق من عمرو، أو ما فيهم خيرٌ منه، فإن هذا التأليف يدل على أنه أفضلهم وأعلمهم وخيرهم، بل قد صار حقيقة عرفية، يعني هذه العبارة صارت حقيقة عرفية في نفي فضل الداخل في أفعل، وتفضيل المجرور على الباقي، وأنها تقتضي نفي فضلهم وإثبات فضله عليهم، وضمنت معنى الاستثناء كأنك قلت: ما فيهم أفضل من هذا أو ما فيهم المفضل إلا هذا، ثم ذكر ﵀ بعد ذلك بقية الوجوه.
1 / 8
مفاد كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- أن قولنا: لا يوجد أفضل من فلان أو ما على وجه الأرض أفضل من فلان أن الحقيقة العرفية تدل على تفضيل هذا المذكور على جميع من على وجه الأرض، فصار حقيقةً عرفية، وإن كان في الأصل اللغوي أنها تنفي الأفضل، ولا تنفي وجود المساوي، هذا كلام الشيخ -رحمه الله تعالى-، يقول: "فإن هذا التأليف يدل على أنه الأفضل والأعلم والخير".
شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- حينما ذكر هذا الكلام وهو كلامٌ جميل ونفيس، يرد عليه ما ذكره ابن القطاع في شرح ديوان المتنبي قال: "ذهب من لا يعرف معاني الكلام إلى أن مثل قوله ﷺ: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجةً من أبي ذر» مقتضاه أن يكون أبو ذر أصدق العالم أجمع، «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجةً من أبي ذر» فمقتضاه أن يكون أبا ذر أصدق العالم أجمع، قال: "وليس المعنى كذلك، وإنما نفى أن يكون أحدٌ أعلى رتبةً في الصدق منه، ولم ينفِ أن يكون في الناس مثله في الصدق، ولو أراد ما ذهبوا إليه لقال: أبو ذرٍ أصدق من كل من أقلت" والحديث مخرج في المسند والترمذي وابن ماجة، والحديث بمجموع طرقه حسن، حسنه الترمذي والسيوطي والألباني، وقال الحافظ: "إسناده جيد".
المقدم: كأني فهمت أن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لا يؤيد أن صحيح مسلم أفضل من صحيح البخاري ولا حتى مساويًا له، وإنما يقول: أن هذه العبارة خاطئة، هل فهمي صحيح؟
شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لا يعرض للصحيحين، كلامه ليس له علاقة بالصحيحين في الآية، كلامه يوضح لنا كلام أبي علي النيسابوري، وأنا أبا علي النيسابوري يرى أن صحيح مسلم أفضل بهذه العبارة، ولا يعني أنه ينفي الأفضل بل يثبت المساوي لا، لا يعني هذا.
المقدم: فهم الآية حتى أن من قال: أنه أقر بأن صحيح مسلم أفضل من صحيح البخاري لم ينفِ أن يكون متساويًا، لكن من فهم الآية ينفي أن يكون متساويًا.
نعم، إذا قلنا: الحقيقة العرفية لمثل هذا التركيب يجعل المذكور أفضل من غيره مطلقًا، نأتي إلى الحديث حديث: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء» لا يوجد على ظهر الأرض أصدق لهجةً من أبي ذر.
مثل ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾؟
1 / 9