شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام

محقق

السيد صادق الشيرازي

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٩ هجري

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أحمدك حمدا يقل في انتشاره حمد كل حامد، ويضمحل باشتهاره جحد كل جاحد، ويفل بغراره حسد كل حاسد، ويحل باعتباره عقد كل كائد، وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة أعتد بها لدفع الشدائد، واسترد بها شارد النعم الأوابد، وأصلي على سيدنا محمد، الهادي إلى أمتن العقايد وأحسن القواعد، الداعي إلى أنجح المقاصد وأرجح الفوائد، وعلى آله الغر الأماجد، المقدمين على الأقارب والأباعد، المؤيدين في المصادر والموارد، صلاة تسمع كل غائب وشاهد، وتقمع كل شيطان مارد.

وبعد فإن رعاية الإيمان توجب قضاء حق الإخوان، والرغبة في الثواب تبعث على مقابلة السؤال بالجواب، ومن الأصحاب من عرفت الإيمان من شأنه واستبنت الصلاح على صفحات وجهه ونفحات لسانه، سألني أن أملي عليه مختصرا في الأحكام، متضمنا لرؤوس مسائل الحلال والحرام، يكون كالمفتي الذي يصدر عنه أو الكنز الذي ينفق منه.

فابتدأت مستعينا بالله ومتوكلا عليه، فليس القوة إلا به، ولا المرجع إلا إليه وهو مبني على أقسام أربعة (1):

صفحة ٥

القسم الأول في العبادات وهي عشرة كتب (2) نبدأ بالأهم منها فالأهم

صفحة ٧

كتاب الطهارة الطهارة: اسم للوضوء أو الغسل أو التيمم، على وجه له تأثير في استباحة الصلاة (3). وكل واحد منها ينقسم إلى: واجب وندب.

فالواجب من الوضوء: ما كان لصلاة واجبة، أو طواف واجب أو لمس كتابة القرآن إن وجب (4) والمندوب ما عداه.

والواجب من الغسل: ما كان لأحد الأمور الثلاثة (5)، أو لدخول المساجد أو لقراءة العزائم إن وجبا (6). وقد يجب: إذا بقي لطلوع الفجر من يوم يجب صومه (7). بقدر ما يغتسل الجنب. ولصوم المستحاضة إذا غمس دمها القطنة (8). والمندوب ما عداه.

والواجب من التيمم: ما كان لصلاة واجبة عند تضيق وقتها (9)، وللجنب في أحد المسجدين (10)، ليخرج به. والمندوب ما عداه (11).

وقد تجب الطهارة: بنذر وشبهة (12).

صفحة ٨

وهذا الكتاب يعتمد على أربعة أركان (13):

الركن الأول: في المياه فيه أطراف:

الأول: في الماء المطلق: وهو: كل ما يستحق إطلاق اسم الماء عليه، من غير إضافة وكله: طاهر، مزيل للحدث، والخبث (15). وباعتبار وقوع النجاسة فيه ينقسم إلى: جار، ومحقون (16)، وماء بئر.

(أما الجاري): فلا ينجس إلا باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه (17). ويطهر بكثرة الماء الطاهر عليه - متدافعا (18) - حتى يزول تغيره. ويلحق بحكمه ماء الحمام، إذا كان له مادة (19). ولو مازجه طاهر فغيره، أو تغير من قبل نفسه (20)، لم يخرج عن كونه مطهرا، ما دام إطلاق اسم الماء باقيا عليه.

(وأما المحقون): فما كان منه دون الكر فإنه ينجس بملاقاة النجاسة. ويطهر بإلقاء كر عليه فما زاد، دفعة، ولا يطهر بإتمامه كرا (21)، على الأظهر. وما كان منه كرا فصاعدا (22) لا ينجس، إلا أن تغير النجاسة أحد أوصافه. ويطهر بإلقاء كر (23) عليه

صفحة ٩

فكر، حتى يزول التغير. ولا يطهر، بزواله من نفسه، ولا بتصفيق الرياح، ولا بوقوع أجسام طاهرة. فيه تزيل عنه التغير.

والكر: ألف ومائتا رطل بالعراقي (24)، على الأظهر. أو ما كان كل واحد من طوله وعرضه وعمقه ثلاثة أشبار ونصفا (25). ويستوي في هذا الحكم مياه الغدران والحياض والأواني، على الأظهر.

(وأما ماء البئر): فإنه ينجس بتغيره بالنجاسة إجماعا. وهل ينجس بالملاقاة؟ فيه تردد، والأظهر التنجيس (26).

وطريق تطهيره بنزح جميعه: إن وقع فيها مسكر، أو فقاع (27)، أو مني، أو أحد الدماء الثلاثة (28) على قول مشهور، أو مات فيها بعير أو ثور. وإن تعذر استيعاب مائها (29)، تراوح (30) عليها أربعة رجال، كل اثنين - دفعة - يوما إلى الليل.

وبنزح كر: إن مات فيها دابة أو حمار أو بقرة. وبنزح سبعين: إن مات فيها إنسان. وينزح خمسين: إن وقعت فيها عذرة يابسة فذابت - المروي أربعون أو خمسون -، أو كثير الدم كذبح الشاة - والمروي من ثلاثين إلى أربعين -... وبنزح أربعين: إن مات فيها ثعلب أو أرنب أو خنزير أو سنور أو كلب وشبهه (31) ولبول الرجل.. وبنزح عشرة:

للعذرة الجامدة وقليل الدم كدم الطير والرعاف اليسير - والمروي دلاء يسيرة -.. وبنزح سبع: لموت الطير والفأرة - إذا تفسخت (32) أو انتفخت - ولبول الصبي الذي لم يبلغ ولاغتسال الجنب (33) ولوقوع الكلب وخروجه حيا. وبنزح خمس: لذرق الدجاج

صفحة ١٠

الجلال (34). وبنزح ثلاث: لموت الحية والفأرة (35) وبنزح دلو: لموت العصفور وشبهه (36) ولبول الصبي الذي لم يغتذ بالطعام. وفي ماء المطر وفيه البول وخرء الكلاب ثلاثون دلوا. والدلو التي ينزح بها ما جرت العادة باستعمالها (37).

فروع ثلاثة:

الأول: حكم صغير الحيوان في النزح حكم كبيره (38).

الثاني: اختلاف أجناس النجاسة موجب لتضاعف النزح، وفي تضاعفه مع التماثل تردد، أحوطه التضعيف (39)، إلا أن يكون بعضا من جملة لها مقدر، فلا يزيد حكم أبعاضها عن جملتها (40).

الثالث: إذا لم يقدر للنجاسة منزوح، نزح جميع مائها. فإن تعذر نزحها لم تطهر إلا بالتراوح. وإذا تغير أحد أوصاف مائها بالنجاسة، قيل: ينزح حتى يزول التغير، وقيل: ينزح جميع مائها. فإن تعذر لغزارته راوح عليها أربعة رجال، وهو الأولى (41).

ويستحب: أن يكون بين البئر والبالوعة (42) خمس أذرع، إذا كانت الأرض صلبة، أو كانت البئر فوق البالوعة (43) وإن لم يكن كذلك (44) فسبع. ولا يحكم بنجاسة البئر إلا أن يعلم وصول ماء البالوعة إليها. وإذا حكم بنجاسة الماء لم يجز استعماله في الطهارة مطلقا (45)، ولا في الأكل ولا في الشرب إلا عند الضرورة. ولو اشتبه الإناء النجس

صفحة ١١

بالطاهر (46) وجب الامتناع منهما. وإن لم يجد غير مائهما تيمم.

الثاني في المضاف: هو: كل ما اعتصر من جسم، أو مزج به مزجا، يسلبه إطلاق الاسم (47). وهو طاهر لكن لا يزيل حدثا إجماعا، ولا خبثا على الأظهر (48). ويجوز استعماله فيما عدا ذلك (49). ومتى لاقته النجاسة، نجس قليله وكثيره، ولم يجز استعماله في أكل ولا شرب. لو مزج طاهره بالمطلق، اعتبر في رفع الحدث به إطلاق الاسم عليه.

وتكره الطهارة (50)،: بماء أسخن بالشمس في الآنية، وبماء أسخن بالنار في غسل الأموات.

والماء المستعمل في غسل الأخباث نجس، سواء تغير بالنجاسة أو لم يتغير، عدا ماء الاستنجاء (51) فإنه طاهر ما لم يتغير بالنجاسة أو تلاقيه نجاسة من خارج. والمستعمل في الوضوء طاهر ومطهر (52). وما استعمل في رفع الحدث الأكبر (53) طاهر. وهل يرفع به الحدث ثانيا؟ فيه تردد، والأحوط المنع. (54) الثالث: في الأسئار (55) وهي: كلها طاهرة، عدا سؤر الكلب والخنزير والكافر . وفي سؤر المسوخ (56) تردد، والطهارة أظهر. ومن عدا الخوارج والغلاة (57)! من أصناف

صفحة ١٢

المسلمين طاهر الجسد والسؤر.

ويكره: سؤر الجلال، (58). وسؤر ما أكل الجيف، إذا خلا موضع الملاقاة من عين النجاسة. والحايض التي لا تؤمن (59). وسؤر البغال والحمر والفأرة والحية. وما مات فيه الوزغ والعقرب.

وينجس الماء بموت الحيوان في النفس السائلة (60)، دون ما لا نفس له. وما لا يدرك بالطرف (61) من الدم لا ينجس الماء، وقيل: ينجسه، وهو الأحوط.

الركن الثاني: في الطهارة المائية وهي: وضوء وغسل، وفي الوضوء فصول: الأول: في الأحداث الموجبة للوضوء وهي ستة: خروج البول والغايط والريح، من الموضع المعتاد (62)، ولو خرج الغايط مما دون المعدة نقض في قول، والأشبه أنه لا ينقض.

ولو اتفق المخرج في غير الموضع المعتاد نقض، وكذا لو خرج الحدث من جرح ثم صار معتادا. والنوم الغالب على الحاستين (63). وفي معناه: كل ما أزال العقل من إغماء أو جنون أو سكر. والاستحاضة القليلة (64).

ولا ينقض الطهارة: مذي ولا وذي ولا ودي (65). ولا دم: ولو خرج من أحد السبيلين (66) عدا الدماء الثلاثة.. ولا قي ولا نخامة. ولا تقليم ظفر ولا حلق

صفحة ١٣

شعر. ولامس ذكر ولا قبل ولا دبر ولا لمس امرأة ولا أكل ما مسته النار. ولا ما يخرج من السبيلين إلا أن يخالطه شئ من النواقض (67).

الثاني: في أحكام الخلوة (68): وهي ثلاثة الأول في كيفية التخلي. ويجب فيه ستر العورة. ويستحب ستر البدن. ويحرم استقبال القبلة واستدبارها، ويستوي في ذلك الصحاري والأبنية. ويجب الانحراف في موضع قد بني على ذلك (69).

الثاني: في الاستنجاء: ويجب: غسل موضع البول بالماء، ولا يجزي غيره مع القدرة (70)، وأقل ما يجزي مثلا ما على المخرج (71). وغسل مخرج الغايط بالماء حتى يزول العين والأثر، ولا اعتبار بالرائحة. وإذا تعدى المخرج لم يجز إلا الماء. وإذا لم يتعد كان مخيرا بين الماء والأحجار، والماء أفضل، والجمع أكمل، ولا يجزي أقل من ثلاثة أحجار (72).

ويجب إمرار كل حجر على موضع النجاسة. ويكفي معه إزالة العين دون الأثر (73).

وإذا لم ينق بالثلاثة، فلا بد من الزيادة حتى ينقى. ولو نقي بدونها أكملها وجوبا. ولا يكفي استعمال الحجر الواحد من ثلاث جهات. ولا يستعمل: الحجر المستعمل، ولا الأعيان النجسة، ولا العظم، ولا الروث، ولا المطعوم، ولا صيقل يزلق عن النجاسة (74)، ولو استعمل ذلك لم يطهر.

الثالث: في سنن الخلوة وهي: مندوبات ومكروهات. فالمندوبات: تغطية

صفحة ١٤

الرأس، والتسمية، وتقديم الرجل اليسرى عند الدخول، والاستبراء (75)، والدعاء عند الاستنجاء، وعند الفراغ (76) وتقديم اليمنى عند الخروج والدعاء بعده.

والمكروهات: الجلوس في الشوارع، والمشارع (77)، وتحت الأشجار المثمرة، ومواطن النزال (78)، ومواضع اللعن (79). واستقبال الشمس والقمر بفرجه، أو الريح بالبول. والبول: في الأرض الصلبة، وفي ثقوب الحيوان، وفي الماء واقفا وجاريا.

والأكل والشرب والسواك. والاستنجاء باليمين، وباليسار وفيها خاتم عليه اسم الله سبحانه.. والكلام إلا بذكر الله تعالى، أو آية الكرسي، أو حاجة يضر فوتها (80).

الثالث في كيفية الوضوء: وفروضه خمسة:

الأول: النية: وهي إرادة تفعل بالقلب. وكيفيتها: أن ينوي الوجوب أو الندب، والقربة. وهل يجب نية رفع الحدث، أو استباحة شئ مما يشترط فيه الطهارة (81)؟ الأظهر إنه لا يجب. ولا تعتبر النية في طهارة الثياب، ولا غير ذلك مما يقصد به رفع الخبث (82)، ولو ضم إلى نية التقرب إرادة التبرد، أو غير ذلك، كانت طهارته مجزية. ووقت النية: عند غسل الكفين (83)، وتتضيق عند غسل الوجه، ويجب استدامة حكمها (84) إلى الفراغ.

صفحة ١٥