481 رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين صلوات الله عليه تأليف العلامة الأريب والفاضل الأديب السيد علي خان الحسيني الحسني المدني الشيرازي قدس سره 1052 - 1120 ه‍. ق الجزء الأول مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

صفحة ١

الكتاب: رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عليه السلام) تأليف: العلامة الأريب السيد علي خان المدني الشيرازي المحقق: فضيلة السيد محسن الحسيني الأميني الموضوع: معارف إلهية اللغة: عربي عدد الأجزاء: 6 أجزاء عدد الصفحات: 568 الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة الطبع: مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي

صفحة ٢

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريته محمد وآله الطاهرين.

إن الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - تعتبر من أهم المعادن الإلهية التي لقبت ب‍ «إنجيل أهل البيت وزبور آل محمد» صلوات الله عليهم أجمعين وهي التي قيل في حقها أنها أخت القرآن المشتملة على مضامين فاخرة في شتى المواضيع المختلفة بأسلوب الدعاء التي تهز كل فاجر وعنود جائر لا سيما في ذلك الظرف الحرج الذي عاش الإمام عليه السلام فيه أي في عصر الظلم والقتل والتشريد من قبل السلطة الجائرة الظالمة من بني أمية فأصبحت هذه الصحيفة سببا للهداية والإرشاد ووسيلة للاتصال بين العبد وربه.

ولأهمية هذا الأثر المقدس قام عدة من علماء الإسلام بشرح فصوله وأبوابه منهم الفاضل النبيل والعلامة الأديب السيد علي خان الحسني الحسيني المدني الشيرازي - قدس سره - فقد شرحه شرحا وافيا جامعا يرتوي به كل ظمآن لتلك المعارف الإلهية والمسائل العقائدية والعرفانية والاجتماعية وغيرها.

وقد قامت المؤسسة بطبعه ونشره بعد مقابلته مع عدة نسخ خطية واستخراج النصوص من مصادرها خدمة للأمة الإسلامية شاكرة الله سبحانه على ما وفقها لهذه الخطوة الجبارة الكريمة، كما وتشكر سماحة فضيلة السيد محسن الحسيني الأميني وسائر الأخوة من أهل الفضل والعلم على ما بذلوا من الجهود الوافرة في تحقيق الكتاب سائلة المولى عز اسمه التوفيق لنشر ما يرضاه انه ولي حميد.

مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ب‍ «قم المشرفة»

صفحة ٣

المقدمة:

- تمهيد - نسبه الشريف - ولادته ونشأته - وفاته - أقوال العلماء فيه - تقاريض كتاب رياض السالكين - مؤلفاته - تأثر السيد ابن معصوم بالشيخ البهائي - رياض السالكين ونسخه - منهج التحقيق

صفحة ٤

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطاهرين.

قال تعالى: قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم (1).

الدعاء: وسيلة الارتباط بالله تعالى ومنهاج التربية لتأصيل شخصية المسلم وتهذيب أخلاقه وسلوكه، وسلما للترقي بالإنسان إلى مدارج الكمال، والانعتاق من كل ألوان العبودية لغير الله تعالى.

ونتيجة لهذا الدور الخطير للدعاء، لم يغفل النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام عن ذلك، بل خلفوا لنا تراثا فريدا، ثر العطاء لا غناء للبشرية عنه على مر العصور.

والصحيفة السجادية: مجموعة من الأدعية المأثورة عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وهو الرابع من أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وقد اشتهرت هذه الصحيفة ب‍ «زبور آل محمد» و «إنجيل آل محمد» كما سماها العلامة ابن شهرآشوب في «معالم العلماء».

ولم يقتصر دور الصحيفة السجادية على كونها تراثا ربانيا ومدرسة أخلاق

صفحة ٥

ومشعل هداية، بل أنها تعبر أيضا عن عمل اجتماعي عظيم، كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمام (عليه السلام).

ونظرا للأهمية البالغة للصحيفة السجادية، فقد ألف العلماء حولها شروحا كثيرة، ذكر صاحب الذريعة منها سبعة وأربعين شرحا.

وهذا الكتاب - الذي بين يديك - أحد الشروح الكاملة والرئيسية للصحيفة السجادية، نسأل الله تبارك وتعالى أن يكون تحقيق وطبع هذا الكتاب بهذه المزايا الخاصة فاتحة عهد جديد للاهتمام بالصحيفة السجادية وبما يليق بعلو شأنها ومنزلتها، وأن يبادر أهل العلم والثقافة إلى تأليف الدراسات وعقد المؤتمرات العلمية والفكرية وتأسيس دار خاصة بالصحيفة السجادية كما كان الحال بالنسبة إلى نهج البلاغة.

نسبه الشريف:

هو السيد علي خان صدر الدين المدني الشيرازي المعروف بابن معصوم، بن الأمير نظام الدين أحمد، بن محمد معصوم، بن أحمد نظام الدين، بن إبراهيم، بن سلام [الله] (1)، بن مسعود عماد الدين، بن محمد صدر الدين، بن منصور غياث الدين، بن محمد صدر الدين، بن إبراهيم شرف الدين (2)، بن محمد صدر الدين، بن إسحاق عز الدين، بن علي ضياء الدين، بن عرب شاه فخر الدين، بن الأمير عز الدين أبي المكارم (3)، بن الأمير خطير الدين (4)، بن الحسن شرف الدين أبي علي بن الحسين أبي جعفر العزيزي، بن علي أبي سعيد النصيبيني، بن زيد الأعشم أبي

صفحة ٦

إبراهيم، بن علي، [بن الحسين أبي شجاع الزاهد] (1) بن محمد أبي جعفر، بن علي (2)، بن الحسين، بن جعفر أبي عبد الله، بن أحمد نصير الدين السكين النقيب، بن جعفر أبي عبد الله الشاعر، بن محمد أبي جعفر بن محمد، بن زيد الشهيد، بن الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين السبط، بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام (3).

ولادته ونشأته:

ولد رحمه الله ليلة السبت الخامس عشر من جمادى الأولى سنة 1052 ه‍ في المدينة المنورة (4)، ولذا لقب بالمدني، ونشأ وترعرع فترة طفولته وصباه فيها وبجوار مكة المكرمة، وقد سافر أبوه الفاضل الأديب السيد نظام الدين أحمد إلى حيدرآباد في الهند بطلب من السلطان عبد الله قطب شاه حيث زوجه ابنته، وبقي السيد ابن معصوم في أحضان والدته، وهي كما في المحكي عن سلافة العصر (5) ابنة الشيخ محمد بن أحمد المنوفي، إمام الشافعية بالحجاز المتوفى سنة 1044 ه‍، وقال صاحب رياض العلماء (6) نقلا عن المترجم له بخط بعض الأفاضل من سلسلة السيد المدني في طي بعض المواضع حيث قال: «وأما نسبي من جهة الأم فأكون ابن القانتة بنت غياث الحكماء بن صدر الحكماء».

صفحة ٧

وقد اشتغل السيد ابن معصوم (قدس سره) خلال فترة صباه بطلب العلم (1) إلى أن سافر إلى حيدرآباد بطلب من والده، إذ غادر مكة المكرمة في ليلة السبت السادس من شهر شعبان سنة 1066 ه‍، فوصل إلى حيدرآباد يوم الجمعة لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة 1068 ه‍ كما هو المحكي عن سبحة المرجان (2).

وظل السيد علي خان في رعاية والده الطاهر في حيدرآباد إلى أن توفى أبوه سنة 1086 ه‍ (3).

وفي المحكي عن سبحة المرجان (4)، إن السيد المدني أمضى في حيدرآباد ثمان عشرة سنة، اغترف خلالها العلم، خاصة من رواد مجلس أبيه الذي كان منتدى يلتقي فيه العلماء والأدباء، وخلال هذه الفترة ألف كتاب الحدائق الندية في شرح الصمدية، وفي ختام الكتاب قال كلاما يوحي ببعض ملامح العصر الذي عاش فيه خلال تلك الفترة حيث قال: «وكان الفراغ من تبييض هذا الشرح المبارك مع تشويش البال وكثرة الهم والبلبال، وكوني في زمان وبلاد قد كسدت فيها سوق الفضل وطلابه، وقامت دولة الجهل وأحزابه، فلم يعرف من العلم الا اسمه، ولم يبق منه أثر. ولولا أن خشيت المبالغة قلت: إلا رسمه، صبيحة يوم الاثنين لثلاث عشرة خلون من جمادى الآخرة إحدى شهور سنة تسع وسبعين وألف، أحسن الله ختامها وأكمل على أحسن نسق نظامها وذلك بالديار الهندية» (5).

وتولى خلال هذه المدة مناصب هامة في الدولة إلى أن توفى والده سنة

صفحة ٨

1086 ه‍، وتوفى بعده السلطان عبد الله قطب شاه.

أما سبب خروجه من حيدرآباد فالمحكي عن سبحة المرجان: «لما علم أن خصوم أبيه يدبرون المكائد للقضاء عليه خرج من حيدرآباد سرا متوجها إلى السلطان محمد أورنك زيب شاه في (برهان پور) فجدوا في طلبه ولكنهم لم يلحقوا به، وإلى هذه الحادثة يشير بقوله:

وحثوا الجياد السابحات ليلحقوا * وهل يلحق الكسلان شأو أخي المجد فساروا وعادوا خائبين على رجا * كما خاب من قد بات منهم على وعد (1).

وأما في المستدرك فقد ذكر أن السيد المدني (قدس سره) وصل برهان پور باستدعاء من السلطان ولاقاه هناك (2). بينما المذكور في روضات الجنات هكذا «ثم لما غلب أورنگ زيب ملك الهند على تلك البلاد سار إلى الملك المذكور، وصار من أعاظم أمراء دولة هذا السلطان» (3).

ومهما كان السبب الذي دعا السيد ابن معصوم إلى ترك حيدرآباد والتوجه إلى برهان پور، فالمتفق عليه أنه (قدس سره) عند وصوله إلى السلطان رحب به، وقلده قيادة كتيبة من الجيش تعدادها ألف وثلاثمائة فارس، وأعطاه لقب (الخان) فعرف بالسيد علي خان، واصطبحه معه إلى أورنك آباد، ولما ذهب السلطان إلى بلدة ( أحمد نكر) عينه حارسا على أورنگ آباد فأقام فيها مدة، ثم جعله واليا على حكومة «ماهور» وتوابعها، ثم استعفى من منصبه بعد أن قضى فيها مدة طويلة، ثم ولي رئاسة الديوان في (برهان پور) وأشغل فيها منصة الزعامة مدة سنين، واستمر بعسكر ملك الهند حتى سنة 1114 ه‍.

وفي أول هذه الفترة ألف كتابه «أنوار الربيع في أنواع البديع» وفي ختامه

صفحة ٩

يشرح شيئا من حاله وظرفه الذي عاش فيه خلال هذه المدة فيقول رحمه الله: «ومن أحسن الاتفاق أن جاء تاريخ عام التمام، موافقا لحساب طيب الختام، وهو عام ثلاث وتسعين وألف، وقد وفق الله سبحانه للشروع فيه والفراغ منه في وقت لا يتصور فيه صحبة قلم لبنان، ولا يتخيل فيه تصور مسألة في جنان، بل لا تقع العين الا على لمع مهند وسنان، ولا تصحب اليدين إلا قائم حسام، وجديل عنان، وذلك حين المرابطة بثغر العدو من الديار الهندية، والمنازلة لمنازلهم في كل صباح وعشية، والسمع لا يعي إلا صارخا: يا خيل الله اركبي، أو صائحا لما دهمه: يا غلام قرب مركبي» (1).

وفي سنة 1114 ه‍ حيث طلب من السلطان إعفاءه والسماح له مع عائلته بزيارة الحرمين الشريفين فأذن له، فغادر الهند بعد أن قضى فيها ست وأربعون عاما، وفي هذه الفترة أيضا ألف كتابه النفيس «رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين» خلال اثنا عشر عاما، وفي ختام كتابه هذا يقول مشيرا إلى الظروف والأوضاع التي كتب خلالها شرحه المذكور فقال: «تم الشرح المسمى برياض السالكين لتسع بقين من شوال المبارك سنة ست ومائة وألف والله الحمد» (2) ثم قال: «والثقة باعدادهم (أي أهل البيت) كنت آيسا من إكماله وإتمامه واجتلاء بدره من أفق تمامه، وذلك لما منيت به بعد الشروع فيه من تقحم أخطار وأهوال، وتقلب شؤون وأحوال، وتجشم تنقلات وأسفار، وقطع مهامه وقفار.

لا أستقر بأرض أو أسير إلى * أخرى بشخص قريب عزمه نائي يوما بخروى ويوما بالعقيق * ويوما بالعذيب ويوما بالخليصاء وتارة أنتحي نجدا وآونة * شعب العقيق وطورا قصربتماء واني مع تفاقم شروى هذه المصائب، يسدد لمثل هذا الغرض سهم صائب، ومتى يتسع مع مثل هذه الأخطار فراغ خاطر لمطالعة أسفار ومراجعة

صفحة ١٠