بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله بارئ الخلق الهادي إلى الحق الموفق للصواب نحمده ونشكره ونوحده ونستعين به ونسأله النجاة من زلل الأهواء وتيه الضلال وعمى التقليد.

وبعد فهذه سوانح موسومة " بالرحلة المدرسية: والمدرسة السيارة " رسمت فوائدها تذكرة للمدكر: خيلت فيها أني " عمانوئيل (1) ابن اليعازر (2) وقد علينا " قس " فأعددت قدومه غنيمة لتنوير فكري في المعارف، ورفع الشبهات التي تختلج في ذهني السيار في سياحة الحقائق. فقلت له يا سيدي هل يمكن أن تمنحني من فوائد روحانيتك، وتروضني في ميدان الحق، وتسمح لي بالعفو في أسئلتي واللطف والارشاد في أجوبتك:

التسمية بالأب عند النصارى القس: يا بني هذه وظيفة إرساليتي ولأجلها سهرت الليالي وبها نلت الرواتب والمراتب الدنيوية: ومنها أرجو الجلوس على مائدة المسيح في اليوم الأخير.

صفحة ٩

عمانوئيل: شكرا لك يا سيدي، وأرجو من لطفك سعة الصدر وحسن التحمل لما يصادف في أسئلتي مما يثقل على سمعك.

القس: سل يا عمانوئيل: وقل كل ما هو ضروري في بيان الشبهة وموضوع السؤال، ولا تتعد إلى جرأة الأهواء والمبادئ الفاسدة.

عمانوئيل: بارك علي يا سيدي بروحانيتك لئلا تحملني الأهواء على جرأة الضلال ومعاداة الحق.

القس: روح القدس يحل عليك يا بني ويأخذ بيدك إلى الصواب ويلهمك الحق.

اليعازر: يا بني مالك لا تجري على رسوم الآداب وحقوق الخطاب. أسفا على تعبي في تعليمك.

عمانوئيل: لقد أدهشتني يا والدي في هذا التوابيخ، وإني لا أحس من نفسي تقصيرا لأنك قد جربتني في أحوالي وعرفت أني حسب استطاعتي ومبلغ توفيقي ومعرفتي لا أظلم أحدا حقه ولا أحيد عن جادة الآداب فكيف اقصر في احترام سيدي القس! فأنقذني يا والدي من ورطة القصور.

اليعازر: يا ولدي مثل هذا الرجل الكبير لا يليق بمقام روحانيته إلا أن تخاطبه بقولك " أيها الأب " كما هو الرسم الجاري عند المسيحيين، أفلا تنظر في الجرائد والمجلات والكتب قولهم " الأب فلان. الأب فلان، الآباء اليسوعيون ". ولك العذر فإن جلوسك مع المسلمين قد ضيع عليك رسوم الديانة المسيحية وآدابها.

عمانوئيل: يا والدي الرؤوف الحريص على نجاتي وتقواي. إنك لا زلت تأمرني بالتمسك بالكتاب المقدس وآداب الإنجيل، فهل ترضى لديانتي وتقواي أن أخالف الإنجيل والمسيح وأرتكب أمرا نهى عنه

صفحة ١٠

المسيح كنهيه عن الشرك بالله.

اليعازر. ما هذا يا ولدي فهل عندك شئ جديد خفي على أجيال المسيحيين مع أنك تستند له بالإنجيل، إن هذا شئ عجيب غريب.

عمانوئيل. أيها الوالد الرؤوف قد جاء في العدد التاسع من الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل متى في خطاب المسيح للجموع وتلاميذه. قوله " لا تدعوا لكم على الأرض أبا فإن أباكم واحد وهو الذي في السماوات ".

اليعازر: ما تقول أنت أيها الأب فيما أتى به عمانوئيل من الغرائب في الدين المسيحي.

القس: يا اليعازر قد فتح نجلك الموفق عمانوئيل كنز هذه الحقيقة التي اضطهدها قومنا بالإخفاء رغما على هتاف الكتاب المقدس بها. وإني لا زلت أتجرع من هذا الخطاب غصص الأذى، ويمنعني من النهي عنه خوفي من إخواني الروحانيين لأجل حرصهم على فخفخة هذا اللقب الذي أبان الإنجيل ضلاله الساري من عوائد الأمم الوثنية، وقد ألجأتني معرفة نجلك الموفق وحريته من أسر التقليد الأعمى إلى أن أبوح لك بسري، فلا تخاطبني يا اليعازر بعد هذا بقولك " أيها الأب ".

اليعازر: يا سيدي إذا كنت ترى في ولدي معرفة وحرية ضمير فتلطف علي وعليه بتعليمه وإرشاده فيما يسأل ولك بذلك عظيم الأجر وقد وهبته لخدمة روحانيتك.

عمانوئيل: لا زال القس يبتدئني بالتعليم ويجاملني بالجواب فجرى يوما في مجلس حافل ذكر تاريخ العالم والخليقة، فأخذ فيه كل واحد طرفا حسبما سمعه من الأهواء الجديدة، فصعب على ذلك في ديانتي، وقلت اسمحوا لي أيها السادة بالاستفسار عن هذه الأمور حسب

صفحة ١١

أصولنا المعقولة المحكمة عند الإلهيين.

وأما الذي تخوضون فيه فإنه يحتاج إلى تمهيد أصول معقولة على أساس رصين لا يرجع إلى تقليد وطفرة وراء الأهواء المعرقلة عن الوصول إلى الحقائق المنزهة.

الحاضرون: حقا تقول. فاستفسر كيف شئت.

عمانوئيل. يا سيدنا القس أفدنا شيئا من تاريخ الكتاب المقدس في الخليقة.

القس: هل عندك نسخة من التوراة أو نسخ متعددة.

عمانوئيل: نعم عندي نسخ عبرانية وعربية وغير ذلك.

القس: أحضرها واقرأ من أول التوراة في سفر التكوين.

عمانوئيل: فقرأت حتى بلغت الفصل الثاني من سفر التكوين فوجدت في العدد الثاني والثالث منه إن الله جل شأنه (استراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه استراح فيه من جميع عمله الذي عمله.

فقلت: يا سيدي القس:

هل يتعب الله في خلقه لكي يستريح إذا فرغ.

فما بال التوراة لا تراعي جلال الله وتتجنب التعبير السخيف في نسبة الاستراحة إلى الله.

القس: هذا تسامح في التعبير ليس فيه كبير ضرر. وإنك ستلاقي من التوراة شيئا كثيرا مما هو أوحش من هذه العبارة. فإن كنت تضجر من مثل هذا فما حالك إذا قرأت الكثير مما هو أوحش وأوحش يا عمانوئيل روض ذهنك على التحمل وعدم النفرة.

صفحة ١٢

جمعية الهداية والتوراة عمانوئيل: سمعا لأمرك يا سيدي. ولكن عندي سؤال آخر يرتبط بقول التوراة " وبارك الله اليوم السابع وقدسه " وهو أن جمعية كتاب الهداية المطبوع بمعرفة المرسلين الأمريكان قد كتبت في الجزء الرابع في صحيفة 174 في سطر 4 أن الله لم يقل في التوراة (وبارك الله اليوم السابع وقدسه) فكيف يكون هذا الانكار من جماعة من المرسلين المبشرين الداعين إلى الهدى واجتناب الكذب؟

وكيف يكتبون هذا ويطبعونه وينشرونه في العالم؟

هل يظنون أن الناس لا ينظرون في العدد الثالث من الفصل الثاني من سفر التكوين.

أما إنهم جنوا على روحانية المسيحيين جناية عظيمة.

القس: لا يغرك اسم الجمعية الرسولية. فإنا من ههنا أتينا: إقرأ:

عدن - والدجلة - والفرات عمانوئيل. فقرأت في العدد الثامن إلى الخامس عشر وحاصل ما قرأته هو أن الله خلق آدم وغرس جنة بعدن شرقا ووضع آدم فيها وأنبت في وسطها شجرة الحياة وشجرة معرفة الحسن والقبيح وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة وينقسم إلى أربعة أنهر:

فيشون وجيحون وحداقل " أي الدجلة " والفرات.

فقلت: يا سيدي القس هل تسمح لي بأن أسألك عن هذا المكتوب.

القس: سل ما تشاء.

صفحة ١٣

عمانوئيل: عدن المذكورة هنا، وفي كتاب أشعيا في العدد الثالث من الإصحاح الحادي والخمسين، وفي كتاب حزقيال في العدد التاسع من الإصحاح الحادي والثلاثين، وفي كتاب يوئيل في العدد الثالث من الإصحاح الثاني هل هي عدن المعروفة في أرض اليمن على بوغاز باب المندب.

القس: الظاهر أنها هي.

عمانوئيل: يا سيدي الدجلة التي تخرج من جبال أرمينية وتصب في خليج فارس قريب البصرة. والفرات الذي يخرج من بلاد " ارضروم " ويصب في خليج فارس أيضا.

كيف يصح أن يقال: إنهما يخرجان من عدن.

وكيف يتجه ذلك في المحسوس من جغرافية البلاد والأنهار المذكورة.

القس: حقا تقول ولكن لا بد من إعمال النظر والفكر لحل هذا المشكل.

وكيف نقدر أن نقول إن هذا المذكور في التوراة غلط. ولا نقدر أن نقول إنه صحيح.

إقرأ يا عزيزي:

نهي آدم عن الشجرة والكذب والحية والصدق عمانوئيل: فقرأت من حيث انتهيت حتى وصلت إلى العدد الثامن من الفصل الثالث من سفر التكوين وإذا فيه ما حاصله إن الله جعل آدم في جنة عدن وقال له من جميع شجر الجنة تأكل وأما شجرة معرفة الحسن والقبيح فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت.

صفحة ١٤

ثم خلق الله من آدم امرأته " حوا " وكانا عريانين وهما لا يخجلان لأنه ليس لهما شعور معرفة الحسن والقبيح.

وكانت الحية أحيل حيوانات البرية فقالت لحوا أحقا قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت حوا: من شجر الجنة نأكل وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا فقالت الحية للمرأة لا تموتان، بل إن الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفي الحسن والقبيح. فلما أكلا منه انفتحت أعينهما " أي حصل لهما شعورا المعرفة " " وعرفنا أنهما عريانان فصنعا لأنفسهما مآزر ".

ولما انتهيت إلى هنا أطبقت التوراة متضجرا ووضعتها على الأرض مبهوتا قد أخذتني الحيرة التي كانت تعتريني كلما قرأت هده الكلمات المهولة.

القس: مالك يا عزيزي لا تقرأ. مالي أراك مبهوتا.

عمانوئيل: هل تسمح لي أن أسأل بحرية مطلقة فإني أعد حضوري بحضرتك غنيمة لاستفاداتي ولمداواة علل الشكوك التي شغلت فكري وأتعبته منذ زمان طويل. إني بحسب ديانتي اعتبر هذه التوراة كتاب الله الذي جاء به رسوله موسى عليه السلام وحينما يقع نظري فيها على كثير من مضامينها المقلقة تقوم قيامتي في الحيرة.

اليعازر: يا قليل الإيمان هل يكون في كتاب الله شك وحيرة.

أسفا على أني تركتك تجالس بعض المسلمين وتنظر في كتبهم، فإن هذا هو الذي كدر عليك موارد الإيمان التي صفاها لك السلف.

عمانوئيل: أيها السيد الوالد إني كنت في طفولتي أتثاقل من الذهاب إلى المكتب فكنت أنت توبخني على التثاقل وتقول لي:

ويلك أتريد أن تبقى غبيا. فلو أنك يا والدي تركتني على حالي

صفحة ١٥

لكي أعيش على بسيط الإيمان وتقليد السلف، لا أعرف ما في الكتب ولا أدرس من العلم شيئا، أو تركتني أذهب إلى مكاتب الطبيعيات فلا ألتفت إلى الدين ومعارفه. وأما إذا انفتحت عيني فاسمح لي يا والدي الرؤوف بأن أتبصر في الحقائق.

القس: يا عزيزي اليعازر إن الشكوك لا يحسن أن تقابلها بالتوبيخ. بل الواجب مداواتها بالبيان الشافي وإزاحة علتها بالبحث عن الحقيقة.

فدع عمانوئيل يبحث عن الحقائق ليكون إيمانه على أساس ثابت تقر به عيناك.

عمانوئيل: أيها الوالد إن توبيخك لي يبين أنك قد أحسست قبلي أن فيما قرأناه معركة شكوك.

فشاركني يا والدي في استيضاح الحقائق فإن الحقيقة بنت البحث.

اليعازر: تكلم يا ولدي بما تريد وإياك واللجاج في العناد.

هل عند الله جل شأنه كذب وغش؟؟

عمانوئيل: هل عند الله جل شأنه كذب وغش وخداع؟؟

القس: حاشا وكلا.

عمانوئيل. كيف يقول الله لآدم:

وأما شجرة معرفة الحسن والقبيح فلا تأكل منها لأنك بيوم تأكل منها موتا تموت.

وقد أكل آدم من الشجرة فلم يمت. وكيف لا يكون هذا الكلام

صفحة ١٦

من التوراة كذبا على الله وافتراء.

فهل يرضى سيدي القس وسيدي الوالد أن تكون الحية أصدق من الله فإن التوراة تقول إن الحية قالت لحوا: لا تموتان بل يعلم الله إنه بيوم أكلكما من الشجرة تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفي الحسن والقبيح.

والتوراة أيضا تبين صدق الحية وحسن نصيحتها وتقول لما أكل آدم وحوا من الشجرة انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان.

يا سادتي فماذا نقول لمن يقول لنا: إن توراتكم تنسب إلى الله منقصة الكذب والخديعة وتنسب إلى الحية فضيلة النصيحة والصدق.

يا سادتي وإن رؤيا يوحنا تذكر في العدد التاسع من الأصحاح الثاني عشر أن الحية القديمة هو المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم. فوا فضيحتاه يا سادتي.

القس: الموت الذي خوف الله به آدم ليس هو الموت الجسماني بل هو الموت الروحي فإن آدم لما تعدى الوصية استوجب سخط خالقه وهذا هو الموت الروحي.

عمانوئيل: يا سيدي قد رأيت هذا الكلام في كتاب جمعية الهداية المطبوع بمعرفة المرسلين الأمريكان في الجزء الثاني صحيفة 131 ولكن نفس التوراة تبين غلط هذا الاعتذار البارد. فإنها تقول: إن آدم قبل أكله من الشجرة كان لا يعرف الحسن والقبيح حتى إنه لا يميز أنه عريان ولا يخجل. فليس له حينئذ حياة روحية بل إن ذلك همجية وموت روحي.

وإن من يكون على مثل هذا الحال لا يدرك قبح المخالفة ولا يصح السخط عليه. وكيف يصح السخط على من لا يعرف الحسن لكي يعرف حسن الطاعة ويرغب فيها. ولا يعرف القبيح والشر لكي يعرف قبح المخالفة للوصية. يا سيدي بل مقتضى التوراة أن أكل آدم من الشجرة

صفحة ١٧

أوجب له الحياة الروحية حيث صار كالله عارف الحسن والقبيح والخير والشر، وصار قابلا بمعرفته لأن يشرق في قلبه نور العرفان والإيمان والرغبة في الطاعة - فالعفو يا سيدي - من هذا الجواب الساقط.

وإني واثق بأنك تعرف غلطه ولكن لك في ذكره غرض لم أعرفه عاجلا. ويا ليتني عرفته.

القس: حقا تقول ولكن يمكن أن يكون معنى قوله " موتا تموت " إنه يصير ممن يعرض عليه الموت ولا يبقى خالدا وإن أكله من الشجرة يغرس في جسمه بذور الموت ويجعله مستعدا لأسباب الفناء. ومثل هذا التعبير جائز في الكلام.

عمانوئيل: يا سيدي وهذا الجواب أيضا لجمعية كتاب الهداية وإن نفس التوراة أيضا تبين غلطه فإنها توضح أن آدم لم يخلق للبقاء بل قد وقعت المحاذرة والتدابير الاحتياطية لئلا يأكل من شجرة الحياة فيعيش إلى الأبد ولأجل ذلك طرد من الجنة وأقيمت الحراسة على شجرة الحياة خوفا من أن يأكل آدم فتدوم حياته. كما ستسمعه. فالتوراة تقول. إن آدم من يوم خلق قد غرس التقدير في جسمه بذور الفناء. والموت التقديري لازم له ومقدر على استعداد طبيعته قبل أكله من الشجرة.

القرآن ميزان الحق القس: إن قرآن المسلمين يذكر بعض قصص التوراة فهل هو يذكر في قصة آدم مثل ما ذكرته التوراة.

عمانوئيل: يا سيدي إن القرآن قد كرر ذكر هذه القصة على حسب الدواعي لذكرها فلم يذكر أن الشجرة هي شجرة معرفة الحسن والقبيح ولم يذكر أن آدم قبل أكله منها كان لا يعقل الحسن والقبيح ولم

صفحة ١٨

الرحلة المدرسية | أصول