رسائل المحقق الكركي

محقق

محمد الحسون بإشراف السيد محمود المرعشي

الناشر

كتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٠٩ هجري

الرسالة النجمية

صفحة ٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين في التتميم الحمد لله والصلاة على رسوله محمد وآله الأطهار.

يجب (1) على كل مكلف حر وعبد، ذكر وأنثى، أن يعرف الأصول (2) الخمسة التي هي أركان الايمان، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد، بالدليل (3) لا بالتقليد (4). ومن جهل (5) شيئا من ذلك لم ينتظم في سلك المؤمنين،

صفحة ٥٩

واستحق العقاب الدائم مع الكافرين.

فصل فالتوحيد: هو العلم بوجود واجب الوجود لذاته، لأنه أوجد جميع الممكنات بعد أن لم تكن موجودة، وبأنه قادر مختار، لأن الممكنات محدثة، لملازمتها الحوادث كالحركة والسكون. وبأنه عالم، لأنه فعل الأفعال المحكمة المتقنة.

وبأنه حي، لأنه قادر عالم. وبأنه مريد للطاعات وكاره للمعاصي، لأنه آمر وناه.

وهما يستلزمان (1) الإرادة والكراهة.

وبأنه متكلم، بمعنى أنه خلق الكلام من جسم جامد، لأن ذلك ممكن، وهو سبحانه قادر على الممكنات، ولقوله تعالى: " وكلم الله موسى تكليما " (2)، وبأنه صادق في خبره، لأن الكذب قبيح. وبأنه سبحانه ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا مركب، لأن ذلك من صفات الحادثات. وبأنه لا يرى بحاسة البصر وإلا لكان جسما، ولقوله تعالى: " لا تدركه الأبصار " (3). وبأنه واحد لا شريك له، لقوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " (4)، وليس في جهة ولا محلا للحوادث، وإلا لكان ممكنا.

فصل والعدل: هو العلم بكونه لا يفعل القبيح، ولا يرضى به، ولا يأمر بالقبائح

صفحة ٦٠

ولا يخل بواجب تقتضيه حكمته، ولا يكلف بما ليس بمقدور، لأن فاعل القبيح:

إما جاهل بقبحه، أو محتاج إليه، والله سبحانه منزه عن الجهل والحاجة. وبأن الطاعات والمعاصي الصادرة عن العباد باختيارهم، ولهذا استحق المطيع الثواب والعاصي العقاب.

فصل والنبوة: عبارة عن العلم بأن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبيا ورسولا إلى جميع الخلق، بشيرا للمؤمنين، ونذيرا للكافرين. وأظهر على يده المعجزات الدالة على صدقه كالقرآن العزيز، وانشقاق القمر، ونبوع الماء من بين الأصابع، وغير ذلك مما لا يحصى.

وبأنه معصوم من أول عمره إلى آخره عن الصغائر والكبائر، وإلا لم يوثق بخبره. وبأنه خاتم الأنبياء كما ورد في القرآن (1)، وأن شريعة ناسخة لجميع الشرائع.

فصل.

والإمامة: عبارة عن العلم بأن الله تعالى أمر رسوله أن يستخلف من بعده من يكون حافظا لدينه، ومنفذا لأحكامه، معصوما من كل ذنب (2). وأمره بأن ينص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في يوم غدير خم وغيره، وكذا ولادة الأئمة الأحد عشر صلوات الله عليهم أجمعين.

وفي أدلة العقل والنقل من الكبات والسنة ما يدل على أن أمير المؤمنين

صفحة ٦١

هو الإمام دون غيره من الأرجاس ما يزيد على ألف دليل (1): مثل آية الصدقة بالخاتم (2) الناطقة بأنه إمام. وآية المباهلة (3)، المتضمنة أنه نفس الرسول. وآية الطهارة (4)، الدالة على عصمته. إلى نحو من سبعين آية (5).

ومن السنة مثل: الغدير (6)، وحديث الطائر المشوي (7)، وحديث الأخاء (8)، والمنزلة (9)، والنعل (10)، وغير ذلك مما لا يحصى.

وبأنه أقدم إسلاما، وأشجع، وأزهد، وأعظم جهادا وغناء في الدين، ولإخباره بالمغيبات واظهار المعجزات مثل قلع باب خيبر، ودحو الصخرة عن فم القليب، ورد الشمس بعد غروبها في جملة أشياء تزيد عن عدد القطار.

وأي عاقل يعتقد تقديم ابن أبي قحافة وابن الخطاب وابن عفان الأدنياء في النسب، والصعاب، الذين لا يعرف لهم تقدم ولا سبق في علم ولا جهاد، وقد عبدوا

صفحة ٦٢

الأصنام مدة طويلة، وفروا من الزحف في أحد وحنين، وأحجموا يوم الأحزاب ونكست رؤوسهم الراية (1) وبراءة، وظلموا الزهراء بمنع إرثها ونحلتها، والبسوا أشياء أقلها يوجب الكفر، فعليهم وعلى محبيهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ثم من بعد أمير المؤمنين ولده الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد باقر علوم الدين، ثم جعفر الصادق الأمين، ثم موسى كاظم الغيظ سيد العارفين، ثم علي الرضا، ثم محمد الجواد، ثم علي الهادي، ثم الحسن العسكري، ثم الخلف الحجة القائم المنتظر محمد بن الحسن المهدي، المستر خوفا من الأعداء، الموعود بظهوره بعد اليأس، لتكشف به الغماء، فتملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.

فصل والمعاد: هو العلم بأن الله تعالى يعيد الخلق بعد فنائهم ويجعلهم في عرصة القيامة، فيجزي المطيع الثواب والعاصي العقاب، ويعوض كل ذي ألم من المكلفين وغيرهم، وقد نطق القرآن به في آيات كثيرة، وتواترت به الأخبار من الصادقين، وأجمع عليه أهل الاسلام، فيجب الاقرار به.

وكذا ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من سؤال القبر، والحساب، والصراط، والميزان، وإنطاق الجوارح، وتطاير الكتب، والجنة، والنار، والثواب، والعقاب، وتفاصيلها. ويجب على كل مكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع العلم بما يأمر به، وتجويز التأثير، والأمن من الضرر - باللسان ثم باليد وبالقلب، على جميع المكلفين.

.

صفحة ٦٣

فهذه جملة الأصول الخمسة التي بها يحصل أدنى مراتب الايمان والله أعلم ويجب على كل مكلف أن يعرف ما كلف به من العبادات، وأعظمها الصلاة.

والصلوات الواجبة سبع: اليومية، والجمعة، والعيدان والآيات، والطواف والأموات، والملتزم بالنذر وشبهه.

فاليومية: هي الصلوات الخمس، أعني: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء وهي سبع عشرة ركعة في الحضر: الصبح اثنان والمغرب ثلاث، والباقي أربع أربع. وإحدى عشر ركعة في السفر بتنصيف الرباعيات.

والسفر الموجب للقصر: هو سير يوم، أعني: ثمانية فراسخ، إذا كان غير معصية، ويبقى على حكم القصر حتى يرجع إلى بلده، أو ينوي إقامة عشر أيام.

ومقدمات الصلاة سبع:

الأولى: الطهارة وهي: الوضوء والغسل والتيمم.

وموجبات الوضوء ستة أشياء: خروج البول والغائط والريح من الموضع المعتاد، والنوم الغالب على السمع والبصر، وكل ما أزال العقل من إغماء وجنون وسكر، والاستحاضة القليلة.

وواجباته خمسة: (1) الأول: النية: وصفتها: أتوضأ لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله تعالى.

ويجب أن يقارن بها أول غسل الوجه، ويبقى على حكمها إلى آخر الوضوء.

الثاني: غسل الوجه من الأعلى، فلو نكس بطل. وحده طولا من منابت

صفحة ٦٤

الشعر من مقدم الرأس إلى محادر شعر الذقن (1)، وعرضا ما حوى الابهام والوسطى كل ذلك من مستوي الخلقة، وغيره كالأنزع (2)، والأغم (3)، وقصير الأصابع، وطويلها يغسل ما يغسله مستوي الخلقة.

ويجب غسل ما بين الشعر، ويستحب غسل ما تحته، والخفيف آكد.

الثالث: غسل اليدين من المرفقين مبتدئا بهما إلى رؤوس الأصابع، ولو نكس بطل ويجب البدأة باليمين، وتخليل الشعر والظفر وكل حائل.

الرابع: مسح مقدم شعر الرأس، أو بشرته ببقية بلل الوضوء، فلا يجوز استئناف ماء جديد، ويكفي مسحه، ويجوز النكس على كراهية.

الخامس: مسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى العظمين اللذين في وسط القدم بماء الوضوء، فلا يجوز الاستئناف، ولو غسل بدل المسح بطل الوضوء.

ويكفي فيه المسمى، ويكره نكسه، ويجب تقديم اليسرى على اليمنى.

السادس: الترتيب كما ذكر، والموالاة: بمعنى أن يغسل كل عضو قبل جفاف ما قبله، فيبطل لو جف. ولا يجوز أن يوضئه غيره اختيارا، وغسل الأذنين ومسحهما بدعة يعزر فاعله، كذا التطوق، فإن تاب وإلا قتل في الرابعة.

وموجبات الغسل ستة أشياء: الجنابة، والحيض، والاستحاضة غير القليلة، والنفاس، ومس الميت من الناس بعد برده بالموت وقيل تطهيره بالغسل حيث يجب تغسيله، وموت الانسان المسلم.

وواجباته أربعة:

صفحة ٦٥

الأول: النية وصفتها: اغتسل لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله تعالى، ويجب أن يقارن بها غسل رأسه إن كان مرتبا، وإن كان مرتمسا كفى مقارنتها لجزء من بدنه واتباعه الباقي بغير تراخ، واستدامتها حكما إلى آخر الغسل.

الثاني: غسل الرأس والرقبة وما ظهر من صماخ الأذنين (1)، وتخليل الشعر.

الثالث: غسل الجانب الأيمن، وتخليل الشعر والمعاطف والسوار والدملج للمرأة، والخاتم والأظفار، وكل مانع.

الرابع: غسل الأيسر كذلك، ويتخير في غسل العورتين والسرة مع أي جانب شاء. ويجب الترتيب كما ذكر، أو الارتماس على ما تقدم. والمباشرة بنفسه ولا تجب الموالاة.

ويكفي غسل الجنابة عن الوضوء، أما غيرها فلا بد معها من الوضوء. ويزيد في الاستحاضة الوضوء لكل صلاة، وتغيير القطنة، وغسل الفرج.

وموجبات التيمم جميع موجبات الوضوء والغسل، لأنه بدل منهما، ويزيد عدم وجود الماء مع التمكن من استعماله، واجباته أربعة:

الأول: النية وصفتها: أتيمم بدلا من الوضوء أو الغسل، لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله. ويجب مقارنتها للضرب على الأرض، لا لمسح الجبهة، واستدامتها إلى الفراغ.

الثاني: مسح الجبهة مع الجبينين من قصاص الشعر إلى طرف الأنف مما يلي آخر الجبهة، بادئا بالجبهة، فلو نكس بطل.

الثالث: مسح كفه اليمنى من الزائد مبتدئا به إلى رؤوس الأصابع، غير ناكس.

الرابع: مسح اليسرى كذلك.

ويجب الترتيب كما ذكر، والموالاة بحيث يأتي بكل فعل بعد الفراغ مما

صفحة ٦٦

قبله، والمباشرة بنفسه. ويجب الضرب بباطن اليد بغير حائل على تراب أو حجر طاهرين. ويكفي في الوضوء ضربة، وفي الغسل ضربتان. ويكفي في الجنابة تيمم واحد، ويجب في غيرها تيممات، وللميت ثلاث، ويراعى فعله آخر الوقت.

الثانية: تطهير النجاسات وهي عشرة: البول والغائط من كل حيوان غير مأكول اللحم إذا كان له نفس سائلة، والدم من ذي النفس وإن كان مأكولا، والمني منه، والميتة، والكلب، والخنزير، والكافر، والمسكر المائع، والفقاع.

ويجب غسل النجاسة بماء طهور، ويكفي في الاستنجاء من الغائط غير المتعدي ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر طاهر ونحوه. ولا بد في الغسل بالماء القليل - أعني دون الكر - من التعدد مرتين في الثوب والبدن مع العصر، إلا في بول الرضيع فيكفي صب الماء عليه، ويتعين العصر، والتحفظ من الغسالة فإنها نجسة.

وفي الإناء يجب غسله ثلاث مرات، أولاهن بالتراب في ولوغ الكلب، وفي نجاسة الخنزير والخمر سبع مرات.

ويعفى عن قدر سعة الدرهم البغلي من الدم المغلظ نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه وحده، كالخف ونحوه.

الثالثة: ستر العورة للمصلي وهي: القبل والأنثيان والدبر وما بينهما للرجل، وجميع البدن والشعر عدا الوجه والكفين والقدمين للمرأة والخنثى. ولا يجب على الأمة المحضة والصبية ستر رأسهما. ويعتبر في الساتر طهارته، وكونه غير ذهب ولا مموه به، ولا جلد غير مأكول اللحم، ولا صوفه أو شعره أو وبره أو عظمه، إلا الخز والسنجاب.

صفحة ٦٧