الرد على الجهمية
محقق
بدر بن عبد الله البدر
الناشر
دار ابن الأثير
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م
مكان النشر
الكويت
مناطق
•أفغانستان
الإمبراطوريات و العصور
الطاهريون والمصعبيون (خراسان، العراق بغداد)، ٢٠٥-٢٧٨ / ٨٢١-٨٩١
بَابُ الِاحْتِجَاجِ لِلْقُرْآنِ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ
٣٣٢ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ زَعِيمِ هَؤُلَاءِ الْأَكْبَرِ، وَإِمَامِهِمُ الْأَكْفَرِ، الَّذِي ادَّعَى أَوَّلًا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ الْوَحِيدُ، وَاسْمُهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الْكَافِرِ دَعْوَاهُ فِيهِ، ثُمَّ أَنْكَرَ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ، وَرَدَّهَا عَلَيْهِ، وَوَعَدَهُ النَّارَ إِنِ ادَّعَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ قَوْلَ الْبَشَرِ.
٣٣٣ - وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] . وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ: هُوَ مَخْلُوقٌ، وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَبِئْسَ التَّابِعُ، وَبِئْسَ الْمَتْبُوعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] . يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ الْبَشَرِ كَمَا ادَّعَى الْوَلِيدُ، وَلَكِنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ ﷿.
٣٣٤ - فَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٢] قَالَ: ذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَالْمَالُ الْمَمْدُودُ: أَلْفُ دِينَارٍ، وَالْبَنِينَ الشُّهُودُ: عَشْرَةُ بَنِينَ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلِ النُّقْصَانُ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ حَتَّى مَاتَ
⦗١٨٥⦘
٣٣٥ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَذَلِكَ صَارَ لِأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ تَلَقَّفُوا مِنْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ خِزْيٌ وَتَبَابٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمْ.
٣٣٦ - وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ أَيْضًا عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٣] . تَثْبِيتًا أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ أَبَدًا، وَقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] .
٣٣٧ - فَفِي هَذَا بَيَانٌ بَيِّنٌ أَنَّ الْقُرْآنَ خَرَجَ مِنَ الْخَالِقِ لَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّهُ كَلَامُ الْخَالِقِ لَا كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَوْ كَانَ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ مِنْهُمْ لَقَدِرَ الْمَخْلُوقُ الْآخَرُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ مَخْلُوقٌ بِحَقٍّ وَبَاطِلٍ مِنَ الشِّعْرِ أَوِ الْخُطَبِ أَوِ الْمَوَاعِظِ أَوْ مِنْ كَلَامِ الْحِكْمَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ نُظَرَاؤُهُ مِمَّنْ هُمْ فِي عَصْرِهِ أَوْ مِنْ بَعْدِهِ، فَهَذَا قَدْ ثَبَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ ⦗١٨٦⦘ رَسُولُهُ، لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مُنْذُ مِائَتَيْ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَلَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ إِلَى خَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ، فَكَيْفَ يَفْعَلُونَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وَ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . فَفِي هَذَا بَيَانٌ بَيِّنٌ أَنَّهُ كَلَامُ الْخَالِقِ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
٣٣٨ - وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلُهُ: «فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ»
1 / 184