٢٩
سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
قيام الليل
فضله، وآدابه، والأسباب المعينة عليه
في ضوء الكتاب والسنة

صفحة غير معروفة

بسم الله الرحمن ... الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة «في قيام الليل» أوضحت فيها:
مفهوم التهجد، وفضل قيام الليل، وأفضل أوقاته، وعدد ركعاته، وآداب قيام الليل، والأسباب المعينة عليه، وبيّنت مفهوم صلاة التراويح، وحكمها، وفضلها، ووقتها، وعدد ركعاتها، ومشروعية الجماعة فيها، ثم أوضحت الوتر، وحكمه، وفضله، ووقته، وأنواعه، وعدده، والقراءة فيه، والقنوت في الوتر،

1 / 3

والدعاء بعد السلام من الوتر، وأن الوتر من صلاة الليل وهو آخره، وحكم قضاء سنة الوتر لمن نام عنها أونسيها، وكل مسألة قرنتها بدليلها.
وقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام العلاّمة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، نوّر ضريحه، ورفع درجاته في الفردوس الأعلى.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل مقبولًا، مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرر في ضحى يوم الجمعة
٩/ ١/١٤٢١هـ

1 / 4

المبحث الأول: التهجد وقيام الليل
أولًا: مفهوم التهجد، يقال: هجد الرجل إذا نام بالليل، وهجد إذا صلى بالليل. وأما المتهجِّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم (١).
ثانيًا: صلاة التهجد سنة مؤكدة (٢)، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله ﷿ في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣)، وقال ﷿ في صفة المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ*وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى في أصحاب الإيمان الكامل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ

(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الدال، فصل الهاء، ٣/ ٤٣٢، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الدال، فصل الهاء، ص٤١٨.
(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز، ١١/ ٢٩٦.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٤.
(٤) سورة الذاريات، الآيتان: ١٧، ١٨.

1 / 5

لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٢). وقال ﷾: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (٣) ووصف الله ﷿ أهل الإيمان الكامل الذين يقومون بالليل بالعلم، ورفع مكانتهم على غيرهم، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٤)؛ ولعظم شأن صلاة الليل قال الله لنبيه ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَمِّل * قُمِ الليل إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ (٥). وقال سبحانه للنبي ﷺ: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ

(١) سورة السجدة، الآيتان: ١٦، ١٧.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١١٣.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٧.
(٤) سورة الزمر، الآية: ٩.
(٥) سورة المزمل، الآيات: ١ - ٤.

1 / 6

رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (١)، وقال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ الليل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ (٢). وقال ﷾: ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُود﴾ (٣). وقال ﷿: ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم﴾ (٤)، وحث عليها النبي ﷺ بقوله: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (٥).
ثالثًا: فضل قيام الليل عظيم؛ للأمور الآتية:
١ - عناية النبي ﷺ بقيام الليل حتى تفطرت قدماه، فقد كان يجتهد في القيام اجتهادًا عظيمًا، فعن عائشة ﵂ أن

(١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.
(٢) سورة الإنسان، الآيات: ٢٣ - ٢٦.
(٣) سورة ق، الآية: ٤٠.
(٤) سورة الطور، الآية: ٤٩.
(٥) مسلم، كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم، برقم ١١٦٣ من حديث أبي هريرة ﵁.

1 / 7

النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدَّمَ من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أحبُّ أن أكون عبدًا شكُورًا» (١)، وعن المغيرة ﵁ قال: «قام النبي ﷺ حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢).
وقد أحسن القائل من أصحاب النبي ﷺ حين قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع (٣)
٢ - من أعظم أسباب دخول الجنة، فعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قَدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَهُ، وقيل:

(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة الفتح، باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، برقم ٤٨٣٧، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، برقم ٢٨٢٠.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة الفتح، باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، برقم ٤٨٣٦، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، برقم ٢٨١٩.
(٣) يذكر عن عبد الله بن رواحة ﵁.

1 / 8

قدِم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله ﷺ ثلاثًا، فجئت في الناس، لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجْهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (١).
وقد أحسن القائل حين قال:
ألهتك لذةُ نومةٍ عن خير عيشٍ ... مع الخيرات في غرف الجنان
تعيش مُخلَّدًا لا موت فيها ... وتنعم في الجنان مع الحسان
تيقظ من منامك إنَّ خيرًا ... من النوم التهجدُ بالقران (٢)
٣ - قيام الليل من أسباب رفع الدرجات في غرف الجنة؛

(١) أخرجه ابن ماجه بلفظه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، برقم ٣٢٥١، وكتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام الليل، برقم ١٣٣٤، والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حديث: أفشوا السلام، برقم ٢٤٨٥، وفي كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قول المعروف، برقم ١٩٨٤، والحاكم، ٣/ ١٣، وأحمد، ٥/ ٤٥١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٥٦٩، وإرواء الغليل، ٣/ ٢٣٩.
(٢) قيام الليل للإمام محمد بن نصر المروزي، ص٩٠، والتهجد وقيام الليل لابن أبي الدنيا، ص٣١٧، وقيل الأبيات لمالك ابن دينار.

1 / 9

لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام (١)، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام» (٢).
٤ - المحافظون على قيام الليل محسنون مستحقون لرحمة الله وجنته؛ لأنهم ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣).
٥ - مدح الله أهل قيام الليل في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن، فقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٤).

(١) تابع الصيام: أي أكثر منه بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضًا ولا يقطعها رأسًا، وقيل: أقله أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ٦/ ١١٩.
(٢) أحمد، ٥/ ٣٤٣، وابن حبان (موارد) برقم ٦٤١، والترمذي، عن علي ﵁ كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة، برقم ٢٥٢٧، وأحمد في المسند عن عبدالله بن عمرو، ٢/ ١٧٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣١١، وصحيح الجامع، ٢/ ٢٢٠، برقم ٢١١٩.
(٣) سورة الذاريات، الآيتان: ١٧ - ١٨.
(٤) سورة الفرقان، الآية: ٦٤.

1 / 10

٦ - شهد لهم بالإيمان الكامل فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ*تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ُنفِقُونَ﴾ (١).
٧ - نفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٢).
٨ - قيام الليل مكفِّر للسيئات ومنهاة للآثام، لحديث أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفِّر للسيئات، ومنهاة للآثام» (٣).

(١) سورة السجدة، الآيات: ١٥ - ١٧.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٩.
(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب من فتح له منكم باب الدعاء، برقم ٣٥٤٩، والحاكم، ١/ ٣٠٨، والبيهقي، ٢/ ٥٠٢،وحسنه الألباني في إرواء الغليل،٢/ ١٩٩، برقم ٤٥٢، وفي صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٧٨.

1 / 11