النكت والعيون
محقق
السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم
الناشر
دار الكتب العلمية
مكان النشر
بيروت / لبنان
مناطق
•العراق
الإمبراطوريات و العصور
السلاجقة (فارس، العراق، سوريا)، ٤٣١-٥٩٠ / ١٠٤٠-١١٩٤
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لدينه القويم ومن علينا بكتابه المبين، وخصه بمعجز دل على تنزيله، ومنع من تبديله، وبين به صدق رسوله، وجعل ما استودعه على نوعين: ظاهرًا جليًا وغامضًا خفيًا يشترك الناس في علم جلية ويختص العلماء بتأويل خفية حتى يعم الإعجاز، ثم يحصل التفاضل والامتياز.
ولما كان ظاهر الجلي مفهوما بالتلاوة، وكان الغامض الخفي لا يعلم إلا من وجهين: نقل واجتهاد جعلت كتابي هذا مقصورا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه، وجعلته جامعًا بين أقاويل السلف والخلف، وموضحًا عن المؤتلف والمختلف، وذاكرًا ما سنح به الخاطر من معنى يحتمل، عبرت عنه بأنه محتمل، ليتميز ما قيلب مما قلته ويعلم ما استخرج مما استخرجته.
وعدلت عما ظهر معناه من فحواه اكتفاء بفهم قارئه وتصور تالية، ليكون أقرب مأخذًا وأسهل مطلبًا.
وقدمت لتفسيره فصولا، تكون لعمله أصولا، يستوضح منها ما اشتبه تأويله، وخفي دليله، وأنا أستمد الله حسن معونته، وأسأله الصلاة على محمد وآله وصحابته.
1 / 21
أسماء القرآن
سمى الله القرآن في كتابه بأربعة أسماء:
أحدها: القرآن، قال الله ﷿: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا الْقُرآنَ﴾.
والثاني: الفرقان قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾.
والثالث: الكتاب قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾.
والرابع: الذكر قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾.
فأمَّا تسميته بالقرآن ففيه تأويلان:
أحدهما: وهو قول عبد الله بن عباس، مصدر من قولك قَرَأْتُ أي بينت، استشهادًا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأَناهُ فَاتِّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يعني إذا بيناه فاعمل به.
1 / 23
والتأويل الثاني: وهو قول قتادة، أنه مصدر من قولك قرأت الشيء، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض، لأنه آي مجموعة، مأخوذ من قولهم: ما قرأت هذه الناقة سلى قط، أي لم ينضم رحمها على ولد، كما قال عمرو بن كلثوم:
(تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا)
(ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنبينا)
أي لم تضم رحما على ولد، ولذلك سمي قرء العدوة قرءًا لاجتماع دم الحيض في الرحم.
فأما تسيمته بالفرقان، فلأن الله ﷿ فرق بين الحق والباطل، وهو قول الجماعة، لأن أصل الفرقان هو الفرق بين شيئين.
وأمَّا تسميته بالكتاب، فلأنه مصدر من قولك كتبت كتابا، والكتاب هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة ومتفرقة، وسمي كتابًا وإن كان مكتوبًا، كما قال الشاعر:
(تؤمل رجعة مني وفيها ... كتاب مثل ما لصق الغراء)
يعني مكتوبا، والكتابة مأخوذة من الجمع من قولهم: كتبت السقاء، إذا جمعته بالخرز قال الشاعر:
(لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسياد)
وأما تسميته بالذكر، ففيه تأويلان:
أحدهما: أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده، وعرفهم فيه فرائضه وحدوده.
والثاني: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به، وصدق بما جاء فيه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ يعني أن شرف له ولقومه.
1 / 24
أما التوارة، فإن الفراء يجعلها مشتقة من قولهم: وري الزند إذا خرج ناره، يريد أنها ضياء.
وأما الزبور، فإنه مشتق من قولهم: زَبَرَ الكتاب يزبُره إذا كتبه، ومنه قول الشاعر:
(عرفت الديار كرقم الكتا ... ب يزبره الكاتب الحميري)
وأما الإنجيل، فهو مأخوذ من نجلت الشيء، إذا أخرجته، ومنه قيل لنسل الرجل نجله، كأنه هو استخرجهم، قال الشاعر:
(أنجبت أيام والديه معا ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا)
فصل
روى أبو بردة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ أنه قال: " أعطاني ربي مكان التوراة السبع الطول، ومكان الإنجيل المثاني، ومكان الزبور المئين، وفضلني ربي بالمفصل ".
فأما السبع الطول، فالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف
1 / 25
ويونس، في قول سعيد بن جبير ونحوه، عن ابن عباس، وهو الصحيح، وإنما سميت السبع الطول لطولها على سائر القرآن.
أما (المئون) فهي ما كان من سور القرآن عدد آية مائة آية أو تزيد عليها شيئًا أو تنقص عنها شيئًا. وأما المثاني، ففيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها السور التي عني الله فيها القصص والأمثال والفرائض والحدود، وهذا قول عبد الله بن عباس وسعيد بن جبير.
والثاني: أنها فاتحة الكتاب، وهو قول الحسن البصري، قال الراجز:
(نشدتكم بمنزل القرآن ... أم الكتاب السبع من مثاني)
(نثين من آي من القرآن ... والسبع سبع الطول الدواني)
والثالث: أن المثاني ما ثنيت المائة فيها من السور، فبلغ عددها مائتي آية أو ما قاربها، فكأن المائتين لها أوائل، والثاني ثواني، وقال بعض الشعراء:
(حلفت بالسبع اللواتب طولت ... ومائتين بعدها قد أمنت)
(وبمثاني ثنيت وكررت ... وبالطواسين التي قد ثلثت)
(وبالحواميم التي قد سبقت ... وبالتفاصيل التي قد فصلت)
وأما المفصل، فإنما سمي مفصلا لكثرة الفصول التي بين سوره، وهو بسم الله الرحمن الرحيم، وسمي المفصل محكما، لما قيل إنه لم ينسخ شيء منه.
واختلفوا في أول المفصل على ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو قول الآكثرين: أنه سورة محمد ﷺ إلى سورة الناس.
1 / 26
والثاني: من سورة ق إلى الناس، حكاه عيسى بن عمر، عن كثير من الصحابة.
والثالث: وهو قول ابن عباس: من سورة الضحى إلى الناس، وكان يفصل في الضحى بين كل سورتين بالتكبير، وهو رأي قراء مكة.
فصل
وأما السورة من سورة القرآن، وتجمع سورا ففيها لغتان:
إحداهما: بهمز.
والأخرى: بغير همز.
فأما السورة بغير همز، فهي المنزلة من منازل الارتفاع، ومن ذلك سمي سور المدينة لارتفاعه على ما يحويه، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
(ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب)
يعني منزلة من منازل الشرف، التي قصرت عنها منازل الملوك، فسميت السورة لارتفاعها وعلو قدرها.
وأما السورة بالهمزة، فهي القطعة، التي قد فضلت من القرآن على سواها وأبقيت منه، لأن سؤر كل شيء بقيته بعدما يؤخذ منه ولذلك سمي ما فضل في الإناء بعد الشرب منه سؤرا، وقال النبي ﷺ: " إذا شربتم فأسئروا " يعني
1 / 27
فأبقوا فضلة في الإناء، ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة يصف امرأة فارقته، فأبقت في قلبه بقية من حبها:
(فبانت قد أسأرت في الفؤا ... د صدعا على نأيها مستطيرا)
والأول من القولين أصح.
وأما الآية من القرآن، ففيها تأويلان:
أحدهما: إنما سميت آية لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها، لأن الآية العلامة، ومنه قول الله تعالى: ﴿ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عبدا لأولنا وآخرنا وآية منك﴾ يعني علامة منك لإجابتك دعاءنا. وقال الشاعر، وهو عبد بني الحسحاس:
(ألكني إليها - عمرك الله - يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا)
والتأويل الثاني: أن الآية في كلامهم، القصة والرسالة، كما قال كعب بن زهير:
(ألا أبلغا هذا المعرض آية ... أيقظان قال القول أو قال ذو حلم)
فيكون معنى الآية القصة، التي تتلو قصة بفصول ورسول وأصول.
وروي أبو حازم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " نزل القُرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر (ثلاث
1 / 28
مرات)، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه ".
وروى محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " أنزل القرآن على سبعة أحرف، عليم حكيم غفور رحيم ".
اختلف المفسرون في تأويل السبعة الأحرف، التي نزل القرآن بها على أربعة أقاويل:
أحدها: معناه على سبعة معان، وهي أمر ونهي ووعد ووعيد وجدل وقصص ومثل.
روى عون، عن أبي قلابة قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: " أنزل القرآن على سبعة أحرف: أمر، ونهي، وترغيب، وترهيب، وجدل، ومثل، وقصص ".
والثاني: يعني سبع لغات مختلفة، لا مما يغير حكمًا في تحليل ولا
1 / 29
تحريم، مثل هل وتعال وأقبل، هي مختلفة ومعانيها مؤتلفة، فكانوا في صدر الإسلام مخَّيرين فيها ثم اجتمعت الصحابة، عند جمع القرآن على أحدها، فصار ما أجمعوا عليه مانعًا مما أعرضوا عنه.
والثالث: يريد على سبع لغات من اللغات الفصيحة، لأن بعض قبائل العرب أفصح من بعض لبعدهم من بلاد العجم، فكان من نزل القرآن بلغتهم من فصحاء العرب سبع قبائل.
والرابع: يريد على سبع لغات للعرب في صيغة الألفاظ، وإن وافقه في معناه، كالذي اختلف القراء فيه من القراءات والله أعلم.
فصل
فأما إعجاز القرآن الذي عجزت به العرب عن الإتيان بمثله، فقد اختلف العلماء فيه على ثمانية أوجه:
أحدها: أن وجه إعجازه، هو الإعجاز والبلاغة، حتى يشتمل يسير لفظه على كثير المعاني، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فجمع في كلمتين، عدد حروفهما عشرة أحرف، معاني كلام كثير.
والثاني: أن وجه إعجازه، هو البيان والفصاحة، التي عجز عنها الفصحاء، وقصّر فيها البلغاء، كالذي حكاه أبو عبيد، أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ فسجد، وقال سجدت لفصاحة هذا الكلام، وسمع آخر رجلا يقرأ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًا﴾ فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
1 / 30
وحكى الأصمعي قال: رأيت بالبادية جارية خماسية أو سداسية وهي تقول:
(أستغفر الله لذنبي كله ... قتلت إنسانا لغير حله)
(مثل غزال ناعم في دله ... فانتصف الليل ولم أصله)
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك، فقالت: أتعد فصاحة بعد قول الله ﷿: ﴿وَأْوْحَيْنَا إِلَى أُمَّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمَّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِ] إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فجمع في آية واحدة، بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وإنشاءين.
والثالث: أن وجه إعجازه، هو الوصف الذي تنقضي به العادة، حتى صار خارجا عن جنس كلام العرب، من النظم، والنثر، والخطب، والشعر، والرجز، والسجع، والمزدوج، فلا يدخل في شيء منها ولا يختلط بها، مع كون ألفاظه وحروفه في كلامهم، ومستعمله في نظمهم ونثرهم.
حكي أن ابن المقفع طلب أن يعارض القرآن، فنظم كلاما، وجعله مفصلا، وسماه سورا، فاجتاز يوما بصبي يقرأ في مكتب: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِيِ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فرجع، ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدا، وما هو من كلام البشر، وكان فصيح أهل عصره.
والرابع: أن وجه إعجازه، هو أن قارئه لا يكل، وسامعه لا يمل، وإكثار
1 / 31