نهاية السول شرح منهاج الوصول

الناشر

دار الكتب العلمية-بيروت

الإصدار

الأولى ١٤٢٠هـ

سنة النشر

١٩٩٩م

مكان النشر

لبنان

المقدمات
ترجمة البيضاوي صاحب منهاج الوصول إلى علم الأصول
...
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة البيضاوي: صاحب منهاج الوصول إلى علم الأصول
هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي، أبو سعيد، أو أبو الخير، ناصر الدين البيضاوي، قاضي، مفسر، علامة، ولد في المدينة البيضاء "بفارس" قرب شيراز.
كان المذكور عالما بعلوم كثيرة، صالحا خيرا صنف التصانيف المذكورة في أنواع العلوم منها مختصر الكشاف "تفسير القاضي"، مختصر الوسيط في الفقه المسمى بالغاية، وطوالع الأنوار في التوحيد، وكتابنا هذا "منهاج الوصول إلى علم الأصول"، و"طلب اللباب في علم الإعراب"، ونظام التواريخ وتعاريفها.
تولى القضاء بشيراز مدة، ثم صرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز فتوفي فيها سنة إحدى وتسعين وستمائة على ما في طبقات الشافعية وسنة ٦٨٥هـ على ما في الأعلام للزركلي.
انظر: الأعلام للزركلي "٤ /١١٠" طبقات الشافعية "١/ ١٣٦".
أما كتابه هذا "منهاج الوصول إلى علم الأصول" فهو كما قال الإسنوي: إن المصنف قد أخذ كتابه من الحاصل للأرموي والحاصل أخذه مصنفه من المحصول للفخر الرزاي والمحصول استمده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالبا أحدهما المستصفى للغزالي والثاني المعتمد لأبي الحسن البصري وهو كتاب جليل اعتنى العلماء بشأنه فشرحه الشيخ الإمام فخر الدين أبو المكارم أحمد بن حسين التبريزي الجاربردي المتوفى سنة ٧٤٦هـ وسماه بالسراج والوهاج، وشرحه الإمام أبو الثناء الأصفهاني المتوفى سنة ٧٤٩هـ، وشرحه القاضي عبد الله بن محمد العبدلي التبريزي الحنفي المتوفى سنة ٤٧٣هـ، وغياث الدين الواسطي المتوفى سنة ٧١٨هـ، وشمس الدين الجزري الشافعي المتوفى سنة ٧١١هـ، وتاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١هـ، وابن الملقن وله شرح أحاديثه في جزء وتوفي سنة ٨٠٤هـ "انظر: كشف الظنون: ١٨٧٨" وقد شرح هذا الكتاب أيضا العديد من العلماء وهذا مما يبين فضل الكتاب وأهميته وفضل صاحبه وجلالته.

1 / 3

ترجمة الإسنوي: صاحب نهاية السول شرح منهاج الوصول
هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن إبراهيم الأموي الإسنوي نزيل القاهرة، الشيخ جمال الدين، أبو محمد.
ولد في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٧٠٤هـ بإسنا من صعيد مصر. وقدم القاهرة سنة ٧٢١هـ وقد حفظ التنبيه في ستة أشهر وبعد أخذه عن العلماء لازم الاشتغال ثم الاشتغال والتصنيف فكانت أوقاته محفوظة مستوعبة لذلك، وولي وكالة بيت المال والحسبة ودرس بالمالكية والأقبغاوية والفاضلية ودرس التفسير بالجامع الطولوني.
تتلمذ على عدد من العلماء منهم: الدبوسي، وعبد القادر بن الملوك، والحسن بن أسد بن الأثير، وعبد المحسن الصابوني، والقطب السنباطي، والقونوي وغيرهم، وأخذ اللغة عن أبي الحسن النحوي، وأبي حيان النحوي وغيرهما.
قال ابن حجر في الدرر الكامنة "٢/ ٣٥٥": "كان فقيها ماهرًا ومعلما ناصحا ومفيدا صالحا مع البر والدين والتودد والتواضع.
وقال شيخنا العراقي: اشتغل في العلوم حتى صار أوحد زمانه وشيخ الشافعية في أوانه، وصنف التصانيف النافعة السائرة، وتخرج به طلبة الديار المصرية، وكان حسن الشكل والتصنيف لين الجانب كثير الإحسان". اهـ.
وله العديد من المؤلفات منها: جواهر البحرين في تناقض الخبرين، والكوكب الدري في النحو والفقه، وكافي المحتاج إلى شرح المنهاج، والفتاوى، وزوائد الأصول، والأشباه والنظائر، والبدور الطوالع في الفروق والجوامع، والجمع والفرق، والجامع، وشرح ألفية ابن مالك، وشرح تفسير البيضاوي، ونهاية السول شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وطبقات الشافعية، وغيرها من المؤلفات.
توفي الشيخ جمال الدين ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الأولى سنة ٧٧٢هـ ودفن قرب مقابر الصوفية بالقاهرة. "انظر: الدرر الكامنة: "٢/ ٣٥٤-٣٥٦"، بغية الوعاة: "٢/ ٩٢"، شذارت الذهب: "٦/ ٢٢٤"، البدر الطالع: "١/ ٣٥٢"، حسن المحاضرة: "١/ ٤٢٩-٤٣٤".

1 / 4

بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب:
الحمد لله الذي مهد أصول شريعته بكتابه القديم الأزلي، وأيد قواعدها بسنة نبيه العربي، وشيد أركانها بالإجماع المعصوم من الشيطان القوي، وأعلى منارها بالاقتباس من القياس الخفي والجلي وأوضح طرائقها بالاجتهاد في الاعتماد على السبب القوي، وشرع للقاصر على مرتبتها استفتاء من هو بها قائم ملي وصلواته وسلامه على سيدنا محمد المبعوث إلى القريب والبعيد والشريف والدني وعلى آله وأصحابه أولي كل فضل سني وقدر علي.
"وبعد" فإن أصول الفقه علم عظيم قدره. وبين شرفه وفخره. إذ هو قاعدة الأحكام الشرعية. وأساس الفتاوى الفرعية. التي بها صلاح المكلفين معاشا ومعادا ثم إن أكثر المشتغلين به في هذا الزمان قد اقتصروا من كتبه على المنهاج للإمام العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي ﵁ لكونه صغير الحجم كثير العلم مستعذب اللفظ، وكنت أيضا ممن لازمه درسا وتدريسا فاستخرت الله تعالى في وضع شرح عليه موضح لمعانيه، مفصح عن مبانيه، محرر لأدلته مقرر لأصوله، كاشف عن أستاره، باحث عن أسراره، منبها فيه على أمور أخرى مهمة. "أحدها" ذكر ما يرد عليه من الأسئلة التي لا جواب عنها أو عنها جواب ضعيف. "الثاني" التنبيه على ما وقع فيه من غلط في النقل. "الثالث" تبيين مذهب الشافعي بخصوصه ليعرف الشافعي مذهب إمامه في الأصول، فإن ظفرت بالمسألة فيما وقع لي من كتب الشافعي كالأم١ والأمالي٢ والإملاء٣ ومختصر المزني٤

١ الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي إمام المذهب الشافعي وهذا الكتاب يمثل جماع مذهب الإمام الشافعي وأحكامه النهائية، وصفه الشافعي في مصر إملاء.
٢ الأمالي وهو أمالي الإمام الشافعي في الفقه، والأمالي هو جمع إملاء وهو أن يقعد عالم حوله تلامذته بالمحابر والقراطيس فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم ويكتب تلامذته فيصير كتابا، ويسمونه الإملاء والأمالي، كذا كان السلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية "كشف الظنون: ١٦١".
٣ الإملاء هو للإمام الشافعي، وهو في نحو أماليه حجما وقد يتوهم أن الإملاء هو الأمالي وليس كذلك. "كشف الظنون: ١٦٩".
٤ مختصر المزني في فروع الشافعية وهو أحد الكتب الخمس المشهورة بين الشافعية التي يتدوالونها أكثر تداول وهي سائرة في كل الأمصار، كما ذكره النووي في التهذيب، وهي للشيخ الإمام إسماعيل بن يحيى المزني الشافعي"٢٦٤هـ" وهو أول من صنف في مذهب الشافعي "كشف الظنون: ١٦٣٥".

1 / 5

ومختصر البويطي١ نقلتها منه بلفظها غالبا مبينا الكتاب الذي هي فيه، ثم الباب، وإن لم أظفر بها في كلامه عزوتها إلى ناقلها عنه. "الرابع" ذكر فائدة القاعدة من فروع مذهبنا في المسائل المحتاجة إلى ذلك. "الخامس" التنبيه على المواضع التي خالف المصنف فيها كلام الإمام أو كلام الآمدي٢ أو كلام ابن الحاجب٣ فإن كل واحد من هؤلاء قد صار عمدة التصحيح يأخذ به آخذون، فإن اضطراب كلام أحد هؤلاء نبهت عليه أيضا. "السادس" ما ذكره الإمام وابن الحاجب من الفروع الأصولية وأهمله المصنف فأذكره مجردا عن الدليل غالبا. "السابع" التنبيه على كثير مما وقع فيه الشارحون من التقريرات التي ليست مطابقة وقد كنت قصدت التصريح بكل ما ذكروه منها، فرأيت الاشتغال به يطول لكثرته حتى رأيت في بعض شروحه المشهورة ثلاثة مواضع يلي بعضها بعضا؛ فلذلك أضربت على كثير منها فلم أذكره البتة اكتفاء بتقرير الصواب وأشرت إلى كثير منها إشارة لطيفة وصرحت بمواضع كثيرة منها. "الثامن" التنبيه على فوائد أخرى مستحسنة كنقول غريبة وأبحاث نافعة وقواعد مهمة إلى غير ذلك فيما ستراه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المصنف ﵀ أخذ كتابه من الحاصل٤ للفاضل تاج الدين الأرموي، والحاصل أخذه مصنفه من المحصولات للإمام فخر الدين، والمحصول٥ استمداده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالبا أحدهما

١- البويطي: أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، من بويطة وهي قرية من صعيد مصر الأدنى، كان خليفة الشافعي في حلقته بعده "طبقات الشافعية: ١/ ٢٢".
٢ الآمدي هو الإمام سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر الآمدي المذكور في الأبكار، المتوفى سنة ٣١٦هـ "كشف الظنون: ١٨٥٧" وله كتب في علم الأصول وغيره من العلوم، منها: منتهى السول في الأصول، وغيره.
٣ ابن الحاجب هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين بن الحاجب، فقيه مالكي، من كبار علماء العربية، كردي الأصل ولد في إسنا "من صعيد مصر" ونشأ في القاهرة وسكن دمشق، ومات بالإسكندرية وكان أبوه حاجبا فعرف به، من تصانيفه "الكافية في النحو، والشافعية في الصرف، مختصر الفقه، ومنتهى السول والأمل في الأصول، وغيرها من الكتب، توفي سنة "١٤٦هـ". "الأعلام: ٢/ ٢١١".
٤ الحاصل في مختصر المحصول في الأصول، وهو للقاضي تاج الدين محمد بن حسين الأرموني، المتوفى سنة ٦٥٦هـ، كما ذكره الإسنوي والسيوطي، "كشف الظنون: ١٦١٥".
٥ المحصول في أصول الفقه، لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، وهو الإمام المفسر، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، ولد في الري ونسبته إليها، رحل إلى خوارزم وتوفي في هراة سنة "٦٠٦هـ" من تصانيفه مفاتيح الغيب في التفسير، والمطالب العالية، ونهاية العقول في دراية الأصول، وكتب أخرى في مختلف العلوم، "كشف الظنون: ١٦١٥، والأعلام: ٦/ ٣١٣".

1 / 6

المستصفى١ لحجة الإسلام الغزالي، والثاني المعتمد لأبي الحسين البصري٢، حتى رأيته ينقل منهما الصفة أو قريبا منها بلفظها وسببه على ما قيل أنه كان يحفظهما، فاعتمدت في شرحي لهذا الكتاب مراجعة هذه الأصول طلبا لإدراك وجه الصواب في المنقول منه والمعقول، وحرصا على إيراد ما فيه على وفق مراد قائله، فإنه ربما خفي المقصود أو تبادر غيره فيتضح بمراجعة أصل من هذه الأصول المذكورة، ولم أترك جهدا في تنقيحه وتحريره، فإنني بحمد الله شعرت فيه خليا من المواقع والعوائق منقطعا عن القواطع والعلائق، فصار هذا الشرح عمدة في الفن عموما، وعمدة في معرفة مذهب الشافعي فيه خصوصا، وعمدة في شرح هذا الكتاب وسعيت سعيي في إيضاح معانيه، وبذلت وسعي في تسهيله لمطالعيه بحيث لا يتعذر فهمه على المبتدئ، ولا يبطئ إدراكه على المنتهي، وسميته: "نهاية السول في شرح منهاج الأصول" وأسأل الله أن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه والناظر فيه وجميع المسلمين بمنه وكرمه آمين.

١ المستصفى في أصول الفقه للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة "٥٠٥هـ" يقول عن هذا الكتاب: فاقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه تصنيفا في الأصول أطلق العنان فيه بين الترتيب والتحقيق على وجه يقع في الحجم دون تهذيب الأصول، وفوق كتاب المنخول، ورتبناه على مقدمة، وأربعة أقطاب". "كشف الظنون: ١٦٧٣".
٢ المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي المتوفى سنة "٤٦٣هـ"، وهو كتاب كبير ومنه أخذ الفخر الرازي كتاب المحصول "كشف الظنون: ١٧٣٢".
تعريفات:
قال: "أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد" أقول: اعلم أنه لا يمكن الخوض في علم من العلوم إلا بعد تصور ذلك العلم، والتصور مستفاد من التعريفات، فلذلك قدم المصنف تعريف أصول الفقه على الكلام في مباحثه، ولا شك أن أصول الفقه لفظ مركب من مضاف ومضاف إليه، فنقل عن معناه الإضافي وهو الأدلة المنسوبة إلى الفقه وجعل لقبا أي علما على الفن الخاص. والفرق بين اللقبي والإضافي من وجهين: "أحدهما" أن اللقبي هو العلم كما سيأتي والإضافي موصل إلى العلم، "الثاني" أن اللقبي لا بد فيه من ثلاثة أشياء: معرفة الدلائل وكيفية الاستفادة وحال المستفيد، وأما الإضافي فهو الدلائل خاصة، ولفظ أصول الفقه مركب على المعنى الإضافي دون اللقبي؛ لأن جزأه لا يدل على جزء معناه، فإذا تقرر ما قلناه، وعلمت أن أصول الفقه في الأصل مركب، فاعلم أن معرفة المركب متوقفة على معرفة مفرداته، فكان ينبغي له أن يذكر تعريف الأصل وتعريف الفقه قبل تعريف أصول الفقه، وكما فعل الإمام في المحصول١ والآمدي في الأحكام وغيرهما مستدلين بما ذكرته من توقف معرفة المركب على معرفة المفردات، فلنذكر

١ انظر المحصول، ص٥، جـ١.

1 / 7

أول تعريفهما ثم نعود إلى شرح كلامه فنقول: الأصل له معنيان: معنى في اللغة، ومعنى في الاصطلاح، فأما معناه اللغوي فاختلفوا فيه على عبارات: "إحداها" ما يبنى عليه غيره، قاله أبو الحسين البصري في شرح العمدة، "ثانيتها" المحتاج إليه قاله الإمام في المحصول والمنتخب وتبعه صاحب التحصيل، "ثالثتها" ما يستند تحقق الشيء له، قاله الآمدي في الأحكام ومنتهى السول، "رابعتها" ما منه الشيء، قاله صاحب الحاصل، "خامستها" منشأ الشيء، قال بعضهم: وأقرب هذه الحدود هو الأول والأخير، وأما في الاصطلاح فله أربعة معانٍ: "أحدها" الدليل كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة أي: دليلهما، ومنه أيضا أصول الفقه، أي: أدلته، "الثاني" الرجحان، كقولهم الأصل في الكلام الحقيقة، أي الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز، "الثالث" القاعدة المستمرة كقولهم إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، "الرابع" الصورة المقيس عليها على اختلاف مذكور في القياس في تفسير الأصل، وأما الفقه فله أيضا معنيان: لغوي واصطلاحي، فالاصطلاحي سيأتي في كلام المصنف. وأما اللغوي فقال الإمام في المحصول والمنتخب١: هو فهم غرض المتكلم من كلامه، وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع: هو فهم الأشياء الدقيقة، فلا يقال فقهت أن السماء فوقنا. وقال الآمدي: هو الفهم وهذا هو الصواب فقد قال الجوهري٢: الفقه الفهم تقول فقهت كلامك بكسر القاف أفقه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم. قال الله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] . وقال تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] إذا علمت ذلك فلنرجع إلى شرح كلام المصنف، فنقول قول معركة كالجنس دخل فيه أصول الفقه وغيره، والفرق بينه وبين العلم من وجهين: "أحدهما" أن العلم يتعلق بالنسب أي وضع لنسبة شيء آخر، ولهذا تعدى إلى مفعولين، بخلاف عرف فإنها وضعت للمفردات، تقول: عرفت زيدا، "الثاني" أن العلم يستدعي سبق جهل بخلاف المعرفة، ولهذا لا يقال لله تعالى عارف ويقال له عالم، وقد نص جماعة من الأصوليين أيضا ومنهم الآمدي في أبكار الأفكار على نحو، فقالوا: إن المعرفة لا تطلق على العلم القديم. وقوله: "دلائل الفقه" هو جمع مضاف، وهو يفيد العموم فيعم الأدلة كمعرفة الفقه ونحوه، "الثاني" معرفة أدلة غير الفقه كأدلة النحو والكلام. "الثالث" معرفة بعض أدلة الفقه كالباب الواحد من أصول

١ منتخب المحصول في الأصول لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي الفقيه: "الإيضاح المكنون: ٢/ ٥٩٦".
٢ الجوهري هو إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر أول من حاول الطيران، ومات في سبيله، لغوي من الأئمة أشهر كتبه الصحاح له كتاب في العروض، وأصله من فاراب ودخل العراق صغيرا، وسافر إلى الحجاز، فطاف في البادية، وعاد إلى خراسان، ثم أقام في نيسابور، توفي وهو يحاول الطيران عام "٣٩٣هـ". "الأعلام للزركلي" ١/ ٣١٣".

1 / 8

الفقه فإنه جزء من أصول الفقه ولا يكون أصول الفقه، ولا يسمى العارف به أصوليا لأن بعض الشيء لا يكون نفس الشيء. والمراد بمعرفة الأدلة أن يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها، وأن الأمر مثل للوجوب، وليس المراد حفظ الأدلة ولا غيره من المعاني فافهمه. واعلم أن التعبير بالأدلة مخرج لكثير من أصول الفقه كالعمومات وأخبار الآحاد والقياس والاستصحاب وغير ذلك، فإن الأصوليين وإن سلموا العمل بها فليست عندهم أدلة للفقه بل أمارات له، فإن الدليل عندهم لا يطلق إلا على المقطوع له، ولهذا قال في المحصول أصول الفقه مجموع طرق الفقه، ثم قال: وقولنا طرق الفقه يتناول الأدلة والأمارات.
قوله "إجمالا" أشار به إلى أن المعتبر في حق الأصولي إنما هو معرفة الأدلة من حيث الإجمالي ككون الإجماع حجة وكون الأمر للوجوب كما بيناه، وفي الحاصل أنه احتراز عن علم الفقه وعلم الخلاف، لأن الفقيه يبحث عن الدلائل من جهة دلالتها على المسألة المعينة، والمناظر أن ينصب كل منهما الدليل على مسألة معينة وفيما قاله نظر، ولم يصرح في المحصول بالمحترز عنه، فإن قيل: إن إجمالا في كلام المصنف لا يجوز أن يكون مفعولا لأنه عرف لا يتعدى إلا إلى واحد وقد جر بالإضافة، ولا تمييزا منقولا من المضاف، ويكون أصله معرفة إجمالا أدلة الفقه لفساد المعنى ولا حالا من المعرفة أو من الدلائل لأنهما مؤنثان، وإجمال مذكر، لا نعتا لمصدر محذوف، أي معرفة إجمالية. لتذكيره أيضا: فالجواب أنه يجوز أن يكون في الأصل مجرورا بالإضافة إلى معرفة تقديره معرفة دلائل الفقه: معرفة إجمالية. أي لا معرفة تفصيل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية ويجوز أن يكون نعتا لمصدر مذكر محذوف تقديره عرفانا إجماليا، قال الجوهري تقول عرفت معرفة وعرفانا، فهو على هذين الإعرابين يكون الإجمال راجعا إلى المعرفة، وأما عوده إلى الدلائل فهو وإن كان صحيحا من جهة المعنى لكن هذا الإعراب لا يساعده، ويجوز أن يكون حالا، واغتفر فيه التذكير لكنه مصدر، وفي بعض الشروح أن إجمالا منصوب على المصدر أو على التمييز وهو خطأ لما قلناه قوله: "وكيفية الاستفادة منها" هو مجرور بالعطف على دلائل، أي معرفة دلائل الفقه، ومعرفة كيفية استفادة الفقه من تلك الدلائل أي استنباط الأحكام الشرعية منها، وذلك يرجع إلى معرفة شرائط الاستدلال كتقديم النص على الظاهرة والمتواتر على الآحاد ونحوه، كما سيأتي في كتاب التعادل والترجيح، فلا بد من معرفة تعارض الأدلة ومعرفة الأسباب التي يترجح بها بعض الأدلة على بعض، وإنما جعل ذلك من أصول الفقه لأن المقصود من معرفة أدلة الفقه في استنباط الأحكام منها، ولا يمكن الاستنباط منها إلا بعد معرفة التعارض والترجيح لأن دلائل الفقه مفيدة للظن غالبا والمظنونات قابلة للتعارض محتاجة إلى الترجيح فصار من

1 / 9

معرفة ذلك من أصول الفقه وقوله: "وحال المستفيد" هو مجرور أيضا بالعطف على دلائل أي ومعرفة حال المستفيد وهو طلب حكم الله تعالى فيدخل فيه المقلد والمجتهد كما قال في الحاصل لأن المجتهد يستفيد الأحكام من الأدلة، والمقلد يستفيدها من المجتهد، وإنما كان معرفة تلك الشروط من أصول الفقه، لأنا بينا أن الأدلة قد تكون ظنية وليس من الظن ومدلوله ارتباط عقلي لجواز عدم دلالته عليه، فاحتاج إلى رابط وهو الاجتهاد، فتلخص أن معرفة كل واحد مما ذكر أصل من أصول الفقه، ومجموعها ثلاث فلذلك أتى بلفظ الجمع فقال أصول الفقه معرفة كذا وكذا ولم يقل: أصل الفقه وهذا الحد ذكره صاحب الحاصل فقلده فيه المصنف، وفيه نظر من وجوه: "أحدها" كيف يصح أن يكون أصول الفقه هو معرفة الأدلة مع أن أصول الفقه شيء ثابت سواء وجد العارف به أم لا ولو كان هو المعرفة بالأدلة لكان يلزم من فقدان العارف بأصول الفقه وليس كذلك، ولهذا قال الإمام في المحصول: أصول الفقه مجموع طرق الفقه، ولم يقل معرفة مجموع طرق الفقه، وذكر نحوه في المنتخب أيضا وكذلك صاحب الأحكام وصاحب التحصيل وخالف ابن الحاجب فجعله العلم أيضا، وحاصله أن طائفة جعلوا الأصول هو العلم لا المعلوم. "ثانيها" أن العلم بأصول الفقه ثابت لله تعالى لأنه تعالى عالم بكل شيء، ومن ذلك هذا العلم الخاص، ولا بد من إدخاله في الحد وإلا لزم وجود المحدود بدون الحد لكنه لا يمكن دخوله فيه لأنه حده بقوله: معرفة دلائل الفقه والمعرفة لا تطلق على الله تعالى لأنها لا تستدعي سبق الجهل كما تقدم. "ثالثها" أنه جمع دليلا على دلائل هنا وفي أوائل القياس حيث قال لعموم الدلائل وفي أول الكتاب الخامس حيث قال في دلائل اختلف فيها، وإنما صوابه أدلة قال ابن مالك في شرح الكافية والشافية لم يأت فعائل جمعا لاسم جنس على وزن فعيل فيما أعلم لكنه بمقتضى القياس جائز في العلم المؤنث كسعائد جمع سعيد اسم امرأة، وقد ذكر النحاة لفظين وردا من ذلك ونصبوا على أنهما في غاية القلة أنه لا يقاس عليهما. "رابعها" وهو مبني على مقدمة من أن كل علم له موضوع ومسائل، فموضوعه هو ما يبحث في ذلك العلم عن الأحوال العارضة له، ومسائله هي معرفة تلك الأحوال، فموضوع علم الطب مثلا هو بدون الإنسان لأنه لا يبحث فيه عن الأمراض اللاحقة له، ومسائله هي معرفة تلك الأمراض، والعلم بالموضوع ليس داخلا في حقيقة ذلك العلم كما أوضحناه في بدن الإنسان، وموضوع علم الأصول هو أدلة الفقه لأنه يبحث فيها عن العوارض اللاحقة لها من كونها عامة وخاصة وأمرا ونهيا وهذه الأشياء هي المسائل، وإذا كانت الأدلة هي موضوع هذا العلم فلا تكون من ماهيته، فإن قيل موضوع هذا العلم هو الأدلة الكلية من حيث دلالتها على الأحكام، وأما مسائله فيه معرفة الأدلة باعتبار ما يعرض لها كونها عامة وخاصة وغير ذلك وهذا هو الواقع في الحد، قلنا لا

1 / 10

نسلم بل الأول أيضا مذكور فإنه المراد بقوله دلائل الفقه كما تقدم. "خامسها" أن هذا الحد ليس بمانع، لأن تصور دلائل الفقه إلخ يصدق عليه أنه معرفة بها أي علم لأن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق، ومع ذلك ليس من علم الأصول، فإن الأصول هو العلم التصديقي لا التصويري.
وقال: "والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية" أقول لما كان لفظ الفقه جزءا من تعريف أصول الفقه ولا يمكن معرفة شيء إلا بعد معرفة أجزائه احتاج إلى تعريفه، فقوله العلم جنس دخل فيه سائر العلوم، ولقائل أن يقول: لم قال في حد الأصول معرفة وفي حد الفقه علم، وقد استعمل ابن الحاجب لفظ العلم فيهما وابن برهان في الوجيز لفظ المعرفة هنا، وقوله بالأحكام احترز به عن العلم بالذوات والصفات والأفعال، قاله من الحاصل، ووجه ما قاله أن العلم لا بد له من معلوم، وذلك المعلوم إن لم يكن محتاجا إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم، وإن احتاج فإن كان سببا للتأثير في غيره فهو الفعل كالضرب والشتم، وإن لم يكن سببا فإن كان نسبة بين الأفعال والذوات فهو الحكم، وإن لم يكن فهو الصفة كالحمرة والسواد، فلما قيد العلم بالحكم كان مخرجا للثلاثة، لكن في إطلاق خروج الصفات إشكال، وذلك أن الحكم الشرعي خطاب الله تعالى، وخطابه تعالى كلامه، وكلامه صفة من جملة الصفات القائمة بذاته، فيلزم من إخراج الصفات إخراج الفقه وهو المقصود بالحد والباء في قوله بالأحكام، يجوز أن تكون متعلقة بمحذوف أي العلم المتعلق بالأحكام، والمراد بتعلق العلم بها التصديق بكيفية تعلقها بأفعال المكلفين، كقولنا المساقاة جائزة لا العلم بتصورها، فإنه من مبادئ أصول الفقه فإن الأصولي لا بد أن يتصور الأحكام كما سيأتي، ولا التصديق بثبوتها في أنفسها، ولا التصديق بتعلقها فإنهما من علم الكلام، فإن قيل: الألف واللام في الأحكام لا جائز أن تكون للعهد لأنه ليس لنا شيء معهود يشار إليه، ولا الجنس لأن أقل جمع الجنس ثلاثة، فيلزم منه أن العامي يسمى فقيها إذا عرف ثلاث مسائل بأدلتها لصدق اسم الفقه عليها وليس كذلك، ولا للعموم لأنه يلزم خروج أكثر المجتهدين لأن مالكا من أكابرهم وقد ثبت أنه سئل عن أربعين مسألة فأجاب في أربع، وقال في ست وثلاثين لا أدري، فالجواب التزام كونها للجنس لأن الحد إنما وضع لحقيقة الفقه، ولا يلزم من إطلاق الفقه على ثلاثة أحكام أن يصدق على العارف بها أنه فقه بكسر القاف أي فهم ولا من فقه بفتحها أي سبق غيره إلى الفهم لما تقرر في علم العربية أن قياسه فاقه وظهر أن الفقيه يدل على الفقه وزيادة كونه سجيه، وهذا أخص من مطلق الفقه ولا يلزم من نفي الأعم، فلا يلزم نفي الفقه عند نفي المشتق الذي هو فقه، وهذا من أحسن الأجوبة، وقد احترز الآمدي عن هذا السؤال فقال الفقه العلم بالجملة غالبة من الأحكام وهو احتراز حسن وقوله الشرعية احتراز عن العلم بالأحكام العقلية

1 / 11

كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وبأن الكل أعظم من الجزء وشبه ذلك كالطب والهندسة وعن العلم بالأحكام اللغوية وهو نسبة أمر إلى الآخر بالإيجاب أن السلب كعلمنا بقيام زيد أو بعدم قيامه، والشرعي هو ما تتوقف معرفته على الشرع، وقوله العملية احترز به عن العلم بالأحكام الشرعية على العملية، وهو أصول الدين كالعلم بكون الإله واحدا سميعا بصيرا، وكذلك أصول الفقه على ما قاله الإمام في المحصول واقتصر عليه، قال لأن العلم يكون الإجماع حجة مثلا ليس علما بكيفية عمل، وتبعه على ذلك صاحب الحاصل وصاحب التحصيل١، وفيه نظر لأن حكم الشرع يكون الإجماع حجة مثلا، معناه أنه إذا وجد فقد وجب عليه العمل بمقتضاه والإفتاء بموجبه، ولا معنى للعمل إلا هذا لأنه نظير العلم، بأن الشخص متى زنى وجب على الإمام حده، وهو من الفقه، لقوله المكتسب احترز به عن علم الله تعالى وعلم ملائكته بالأحكام الشرعية العلمية، وكذلك علم رسوله ﷺ الحاصل من غير اجتهاد بل بالوحي، وكذلك علمنا بالأمور التي علم بالضرورة كونها من الدين، كوجوب الصلوات الخمس وشبهها، فجميع هذه الأشياء ليس بفقه لأنها غير مكتسبة، هكذا ذكره كثير من الشراح، وما قالوه في غير الله تعالى فيه نظر متوقف على تفسير المراد بالمكتسب، ولا ذكر لهذا القيد في المحصول بأنه للاحتراز عن نحو الخمس كما تقدم ذكره وفيه نظر أيضا فإن أكثر علم الصحابة إنما حصل بسماعهم من النبي ﷺ فيكون ضررويا، وحينئذ فيلزم أن يسمى علم الصحابة فقها وأن لا يسموا فقهاء وهو باطل، والأولى أن يقال احترز بالمكتسب عن علم الله تعالى، وبقوله من أدلتها عن علم الملائكة والرسول الحاصل بالوحي، والمكتسب في كلام المصنف مرفوع على الصفة للعلم ولا يصلح جره على الصفة للأحكام، لأن الأحكام مؤنثة والمكتسب مذكر، ولأن علم الله تعالى وعلم المقلد يردان على الحد على هذا التقدير ولا يخرجان بما قالوه، وذلك لأن المعلوم للمقلد مثلا في نفسه مكتسب من أدلة تفصيلية، فإن المصنف لم يشترط ذلك بالنسبة إلى العالم به بل عبر عنه بقول مكتسب، وهو مبني للمفعول فإذا علم المجتهد أن الأخت لها النصف للآية الكريمة أخر به المقلد صدق أن المقلد علم شيئا اكتسبه غيره من دليل تفصيلي، وإذا صدق ذلك صدق بناؤه للمفعول، فيقال علم شيئا مكتسبا من دليل تفصيلي، وهكذا يفعل في علم الله تعالى فإن الباري ﷾ عالم بحكم ذلك الحكم، موصوف بأنه مكتسب يعني أن شخصا قد اكتسبه.
وقوله من أدلتها التفصيلية احترز به عن العلم الحاصل للمقلد في المسائل الفقهية، فإن المقلد إذا علم أن هذا الحكم أفتى به المفتي وعلم أن ما أفتى به المفتي

١ التحصيل في أصول الفقه للإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي المتوفى سنة "٤٢٩هـ"، "كشف الظنون: ٣٥٩".

1 / 12