نثر الدر
محقق
خالد عبد الغني محفوط
الناشر
دار الكتب العلمية
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٤م
مكان النشر
بيروت /لبنان
الإمبراطوريات و العصور
الخلفاء في العراق، ١٣٢-٦٥٦ / ٧٤٩-١٢٥٨
وَاعْلَم أَن الْجَاهِل لَا يعلم، وَالْحَدِيد لَا يفهم، والطائشَ القلقَ لَا يعقِل، والطمع الشره لَا ينفَعُ عِنْد الْحجَّة، وَلَا تغني قِبَلَه البيِّنةُ. وَالسَّلَام. قَالُوا: أشرفَ يَوْمًا على أَصْحَابه، وهم يذكرُونَ سيرةَ عمر ﵁ فَغَاظَهُ ذَلِك، فَقَالَ: إيهًا عَن ذِكْرِ عمر، فَإِنَّهُ إزراءٌ بالوُلاة مفْسدَة للرعية. وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يولي رجلا عمل البريدِ سَأَلَ عَن صدقه ونزاهته وأناته، وَيَقُول: كذبه شكِّك فِي صدقه، وشرهه يَدعُوهُ فِي الْحق إِلَى كِتْمَانه، وعجلته تهجم بِمن فَوْقه على مَا يُؤثْمهُ ويُندِمُه. وَقيل لَهُ: مَا الْمُرُوءَة؟ قَالَ: مُوالَاة الْأَكفاء، ومداجاةُ الْأَعْدَاء. قَالَ لَهُ رجل: إِنِّي أُرِيد أَن أُسرَّ إِلَيْك شَيْئا، فَقَالَ عبدُ الْملك لأَصْحَابه: إِذا شِئْتُم. فنهضوا، فأرادَ الرجل الكلامَ، فَقَالَ لَهُ عبدُ الْملك: قفْ، لَا تمدحني، فَإِنِّي أعلمُ بنفسي منكَ، وَلَا تكذبني، فَإِنَّهُ لَا رأيَ للكذوب وَلَا تغتَبْ عِنْدِي أحدا. فَقَالَ: أفتأْذَنُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الِانْصِرَاف؟ قَالَ: إِذا شئتَ. وَقَالَ لَهُ رجلٌ من أهلِ الكتابةِ كَانَ مَوْصُوفا بِقِرَاءَة الْكتب وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: إِن بشَّرتُك بِشَارَة تسرُّك مَا تجعلُ لي؟ قَالَ: وَمَا مقدارها فِي السرُور حَتَّى نعلم مقدارها من الْجعل؟ قَالَ: أَن تملِكَ الأَرْض. قَالَ: مَا لي من مَال، وَلَكِن أرأيتَ إِن تكلَّفتُ لَك جُعْلًا أتأتيني بذلك قبل وقته؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِن حرمْتُكَ أتؤخِّرُهُ عَن وقته؟ قَالَ: لَا. قَالَ: حسبُكَ مَا سمعتْ. وَكتب إِلَى الْحجَّاج: إِنِّي قد استعملتُك على العراقَيْن صدمة، فَاخْرُج إِلَيْهِمَا كميش الْإِزَار شَدِيد العذار منطوي الخصيلة قَلِيل الثميلة، غرار النّوم، طَوِيل الْيَوْم. فاضغط الْكُوفَة ضغطة تحبق مِنْهَا الْبَصْرَة، وارم بِنَفْسِك الْغَرَض الْأَقْصَى، فَإِنِّي قد رميته بك، وأرد مَا أردته مِنْك. وَالسَّلَام. وَلما ولي عبد الْملك صعد الْمِنْبَر، فَقَالَ بعد الْحَمد لله وَالثنَاء عَلَيْهِ وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ: أَن الله اختصنا بالكرامة، وانتجبنا للولاية وَآثرنَا
3 / 35