82

نقض الدارمي على المريسي

محقق

أَبوُ عَاصِم الشَّوَامِيُّ الأَثرِي

الناشر

المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

مكان النشر

القاهرة - مصر

فَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ عَلَى المَجَازِ الَّذِي يَعْقِلُهُ النَّاسُ بِقُلُوبِهِمْ عَلَى مَجَازِ كَلَامِ العَرَبِ.
وَإِذَا قَالَ: كَتَبْتُ بِيَدَيَّ كِتَابًا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أَوْ قَالَ: وَزَنْتُ بِيَدَيَّ، وَقَتَلْتُ بِيَدَيَّ، وَبَنَيْتُ بِيَدَيَّ، وَضَرَبْتُ بِيَدَيَّ، كَانَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِيَدَيْهِ، دُونَ يَدَيْ غَيْرِهِ، وَمَعْقُولٌ المَعْنَى عِنْدَ العُقَلَاءِ، كَمَا أَخْبَرَنَا الله أَنَّهُ خَلَقَ الخَلَائِقَ بِأَمْرِهِ، فَقَالَ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل:٤٠]، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ خَلَقَ الخَلَائِقَ بِأَمْرِهِ وإرادَتِه، [١٠/ظ] وَكَلَامِه وَقَوْلِهِ: ﴿كُن﴾ وَبِذَلِكَ كَانَتْ، وَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
فَلَمَّا قَالَ: خَلَقْتُ آدَمَ بِيَدَيَّ، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ ليديه وَأَنَّهُ خَلَقَهُ بِهِمَا مَعَ أَمْرِهِ وَإِرَادَتِهِ. فَاجْتَمَعَ فِي آدَمَ تَخْلِيقُ اليَدَيْنِ نَصًّا وَالأَمْرُ وَالإِرَادَةُ، وَلَمْ يجتمعا فِي خَلْقٍ غَيرِهِ من الروحانيين؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مَسَّ خَلْقًا ذَا رُوحٍ بيدَيْهِ غَيْرَ آدَمَ، إِذْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي أَحَدٍ مِمَّنْ سِوَاهُ، وَلم يخص بِهِ بشرًا غَيْره مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ أَنَّهُ أَرَادَ بِيَدَيْهِ أَنَّهُ وَلِيَ خَلْقَهُ فَأَكَّدَهُ؛ لَمَا كَانَ عَلَى إِبْلِيسَ إِذًا فِيمَا احْتَجَّ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اليَدَيْنِ لِآدَمَ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ وَلَا فَخْرٌ، إِذْ وَلِيَ خَلْقَ إِبْلِيسَ فِي دَعْوَاكَ كَمَا وَلِيَ خَلْقَ آدَمَ سَوَاء، وأَكَّدَه كَمَا أَكَّدَهُ، وَلو كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ لَحَاجَّ إِبْلِيسُ رَبَّهُ فِي ذَلِكَ كَمَا حَاجَّهُ فِي أَنْ قَالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]، وَكَمَا قَالَ: أسجد ﴿لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾ [الحجر: ٣٣]، فَيَقُول: خلقتني أَيْضًا يا رب بِيَدَيْكَ، عَلَى مَعْنَى مَا خَلَقْتَ بِهِ آدَمَ أَيْ: وليتَ خَلْقِي، وَأَكَّدْتَهُ -فِي دَعْوَاكَ- وَلَكِنْ كَانَ الكَافِرُ الرَّجِيمُ أَجْوَدَ مَعْرِفَةً بِيَدَيِ الله مِنْكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ، بَلْ عَلِمَ عَدُوُّ الله تَعَالَى إِبْلِيسُ أَنْ لَوِ احْتَجَّ بِهَا عَلَى الله كَذَّبَهُ.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ أَيُهَّا المَرِيسِيُّ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]،

1 / 84