بسم الله الرحمن الرحيم يقول حسن الأمين بن السيد محسن الأمين: كان من طريقة والدي في كتابه (أعيان الشيعة) ان لا يترجم للأحياء، وبعد وفاته سنة 1371 توفي الكثيرون من الأعيان الذين يجب ان يترجموا، وكنت بعد وفاته قد تتبعت أسماء بعض من توفوا بعده وأعددت لهم تراجم نشرت في الطبعة الأخيرة وأشرت فيها إلى انهم مما استدركتهم على الكتاب، وقد سقطت هذه الإشارة أثناء الطبع عن بعض الأسماء كأسماء الشيخ خليل مغنية والسيد محمد باقر الصدر والسيد هبة الدين الشهرستاني وغيرهم، ويستطيع القارئ ان يدرك ذلك من ملاحظته تاريخ الوفاة، فجميع من يكون تاريخ وفاتهم بعد تاريخ وفاة المؤلف هم بالطبع ممن استدركت تراجمهم على الكتاب.
ولم أستطع تتبع أسماء جميع من يستحقون الترجمة، لذلك فاتتني أسماء كثيرة وبعد انتشار الطبعة الجديدة دونت تراجم من فاتني تدوين تراجمهم في تلك الطبعة، ثم انني أثناء مطالعاتي وجدت معلومات تتعلق بمن كانت قد نشرت تراجمهم من قبل وآثرت تدوينها كما وجدت ان بعض التراجم قد فاتت المؤلف، فاجتمع من ذلك كله مقدار كبير مهم يجب ان يضاف إلى الأصل فرأيت اخراجه في مجلد مستقل باسم (مستدركات أعيان الشيعة) وهو ما يراه القارئ في هذا المجلد.
وإذا بقيت في الحياة بقية سأظل أتابع وأدون ما استمرت الحياة ومن الله نسأل التوفيق والتسديد.
حسن الأمين آتش، حيدر علي فيض ابادي ولد سنة 1192 وتوفي في لكنو سنة 1263 شاعر هندي اشتهر بلقبه آتش لذلك ترجمناه في حرف الألف.
شاعر جرئ، في شعره نفاسة في الخيال وقوة في الغرام، وهو ذو منهج خاص في النسيب.
آصف الدولة قامت في الهند ثلاث دول شيعية، هي: العادل شاهية، والقطب شاهية، والنظام شاهية، وهذه كانت في الدكن جنوب الهند.
ثم قامت بعد ذلك دولة رابعة هي دولة (أود) في شرق الهند، ولم تكتف هذه الدولة بتبني التشيع ونشر لوائه، بل كانت باعثا قويا على بث المعارف والثقافة الاسلامية وأرقاء الأدب الأردوي. وكانت أول عاصمة لها مدينة فيض آباد، وهناك كان النواب شجاع الدولة المتوفى سنة 1188 حيث التقى فيها من سائر صنوف الناس أعلاها ومن جميع الطبقات أشرفها، وحيث ضمت إليها من كبار الأدباء أمثال سودا ومير وغيرهما.
ثم قام مقامه ولده النواب ميرزا يحيى آصف الدولة فنقل عاصمة الدولة من فيض آباد إلى لكنو. وكان آصف الدولة جوادا كريما شاعرا. وهو صاحب فكرة إيصال الماء من الفرات إلى النجف الأشرف، وبذل في هذا السبيل أموالا طائلة حتى وصل الماء إلى أقرب مكان يمكن إيصاله إليه، ولم يمكن إيصاله إلى النجف نفسها لعلوها.
وفي عهد آصف الدولة زخرت لكنو بالعلماء والشعراء والكتاب والمفكرين، وامتلأت بالمدارس والمكتبات لا سيما التي تضم أمهات الكتب الشيعية، وبرز فيها أول مجتهد هندي شيعي هو السيد دلدار علي، ولمع فيها أكابر شعراء اللغة الآردوية أمثال سوز أستاذ النواب نفسه، وكذلك مير تقي مير وسودا من شعراء البلاط، ومصحفي ومير حسين ومير شير علي أفسوس وغيرهم من شعراء العاصمة لكنو.
وتتابع بعده الملوك واحدا بعد الآخر سالكين السبيل نفسه حتى آخرهم واجد علي شاه.
وقد كان آصف الدولة وواجد علي شاه من الشعراء المجيدين. وحتى اليوم لا يزال الأدباء يسندون أصولهم إلى عهود لكنو، لأن شعراء لكنو وفي طليعتهم ناسك ورشك هم الذين هذبوا اللغة الآردوية ونقوها من اللفظ السوقي ومن الأغلاط والكلمات الركيكة ومن رواسب السانسكريتية وشذبوا قواعدها وسووا منهجها، أو بالأحرى اخرجوا منها لغة مستقلة كاملة تضم فيما تضم أصح الكلمات العربية والفارسية.
وهكذا ترسخت اللغة الأردوية في لكنو.، بالذات وأصبحت لغة الدولة ولغة الثقافة، يعبر بها العلماء والمثقفون في أحاديثهم ومكتوباتهم، فاكتسبت دقة الأسلوب ورشاقة اللفظ وعذوبة النسج ولطافة المغزى في الأمثال والاستعارة، وكان رقيها رقيا نهائيا. (راجع ترجمة السيد مير علي الكبير في الصفحة 349 من المجلد الثامن ففيها ذكر للمترجم).
إبراهيم شرارة بن محمد عبد الله ولد سنة 1341 في بنت جبيل (جبل عامل) وتوفي سنة 1403 في بيروت
صفحة ٥
ودفن في بنت جبيل.
كانت دراسته الابتدائية في بنت جبيل واستفاد في اللغة العربية وقواعدها من صحبة الشيخ علي شرارة. هاجر في مطلع شبابه إلى إفريقيا الغربية ولم تطل إقامته فيها فعاد إلى بلده وتعاطى بعض الأعمال التجارية. ثم استقر نهائيا في بيروت حتى وفاته.
هو من شعراء جبل عامل الذين وأكبوا نهضته فكانوا لسانه في وطنيتهم و أدبهم. ومما وصف به بعد وفاته: إبراهيم شرارة كما تعرفه منتدبات جبل عامل ومجالسه الأدبية ومهرجاناته واحتفالاته ومناسباته الأدبية والثقافية، من رعيل الأدباء العامليين الذين كانوا يؤثرون ان يخاطبوا بنتاجهم الشعري والأدبي جمهورا محليا، يعرفون نوابضه ويتواصلون معه على منابر متعددة قد يكون النشر أقلها رواجا. وبغياب إبراهيم شرارة يغيب اسم في آخر سلسلة من الأسماء قد تكون مع اسلافها الأوائل في قلب تاريخ مطوي للثقافة العاملية، يغدو أكثر فأكثر مستورا، لكن على يد إبراهيم وآخرين تم نقل الأدب العاملي من سلفية مغرقة إلى نفحة معاصرة كانت تهب من حواضر الأدب يومذاك في مصر ولبنان والمهجر. ولعل صدى الرومانطيقية في لبنان ومصر تسلل إلى أدباء جبل عامل الشبان آنذاك ليؤثر في كلامهم ونتاجهم وتؤثر الرقة الوافدة في اللغة العريقة الموروثة من شيوخ تشربوا الشعر من منابعه الأولى، وسلكوه من أعرق مسالكه وأوغلها في الزمن وأشركوا فيه مشاغل أخرى تشمل المكتبة العربية القديمة بشتى فروعها. والأغلب ان شعر إبراهيم ينضم إلى تراث واسع لم يكتب له ان ينتظم في التراث اللبناني بكليته، فقد كان هذا الأدب يتداول بين عائلات ثقافية ومنتديات أبرزها المنتدى الحسيني وأماسي سمر ومجالس أدب، وكان مكتفيا بتداوله هذا متآلفا معه. (1) وقال كاتب آخر متحدثا عن مجموعته الوحيدة التي طبع فيها شئ من شعره و سماها (في قرانا): اننا مع نصوص شاعر بقي في دائرة الريف العاملي حيث عاش وعايشة معظم أوقات حياته. ان الشاعر حين يستنطق الريف يدخل معه في خطاب رومانسي، وينتقل به من العين إلى الوجدان، من الوصف إلى العلن (2).
وقال كاتب آخر متحدثا عن المجموعة نفسها: في المضمون تتناول قصائده المكان القرية بفلاحيها وشجرها وحيواناتها وتبدلات الفصول مع نظم هذه العناصر في اطار الاصرار على الحياة، كما تتناول قصائده انطباعات جمالية صادرة عن اطار ثقافي راهن، وعن اطار ثقافي عريق، وفي الشكل تبدو قصائد إبراهيم شرارة ناتجة عن تراث بيئته اللغوي العريق (جبل عامل) وتراث التحديث العربي في صورته اللبنانية، شعر ما بين الحربين العالميتين.
ومن الرافدين اللغويين اتت قصائده أصيلة رقيقة في آن ونقلت أفق الشعر إلى الراهن بعد أن كان شعر جبل عامل محافظا واستمراريا (3).
وقال كاتب آخر متحدثا عنه بعد وفاته متطرقا إلى الشعر العاملي بعامة:
ان جبل عامل هو حكاية شعرائه، تماما كما أن شعراءه أيضا هم حكاية جبل عامل. ولذا فإننا حينما نتحدث عن الأدب العاملي كمدخل لفهم أحد شعرائه، فإنه من غير الجائز اعتبار ذلك تطلعا منا للفصل بين الكلمة في تلك المنطقة وأختها في اي مكان من الوطن أو العالم، ولا يجوز وصف ذلك بالانغلاق الثقافي والسياسي، لأن ما نبتغيه هنا هو تشريح جدلية العلاقة لأرض حوت في جوفها ايحاءات ومصادر تاريخية شعرية لشعرائها، تماما كما رمل الخليج خبا النفط الأسود لأهله.
انها علاقة الظل بالضوء، والوجه بالمرأة، والنكهة بالثمرة.
بهذا المعنى العميق والمنفتح لطبيعة سفر العاملي في رحاب ذاته فإن الشاعر الراحل إبراهيم شرارة " طائر غرد داخل سربه " العاملي. لكن هذا لم يجعله بالضرورة واحدا في جوقة كنيسية تردد نفس الكلام وذات اللحن، لقد كان طائرا عامليا بحق، ولكن كان لصوته صدى مميز ولرفيف جناحيه اختلاجات لا تشبه اختلاجات قلبه.
ولعل مقدرة إبراهيم شرارة على انتزاع تمايزه الفني من دون ان يترتب على ذلك خروجه من المؤسسة العاملية الشعرية القديمة لعل هذا بحد ذاته هو واحد من أهم خصائص الشاعر ومميزاته.
فالمؤسسة الشعرية العاملية، وبشهادة النقاد والعاملين في تاريخ الأدب هي مؤسسة قديمة جدا، وأهم ما يميزها في هذا المجال هو واقع أن سنوات عمرها المديدة لم يصبغ نتاجها بالملل والتكرار، كما هي العادة غالبا حينما تكون المصادر الفنية لأجيال متلاحقة هي ذاتها أو قريبة التشابه.
وكثيرا ما طرح السؤال: لما ذا لا يكرر الشعراء العامليون أنفسهم طالما أن شروط التكرار واخطاره موجودة؟!
ان إبراهيم شرارة هنا هو واحد من الأجوبة التي توضح هذا الأمر للمتسائلين.
فإبراهيم شرارة ظل عاملي القلب، وحسيني الدمعة والدم، ولم ير في غير التبغ عبقا يجسد رائحة الانسان، ولم يخرج في شعره عن جذوره (4) ومع ذلك كتب كلاما جديدا وقوافي جديدة، رغم أنها لا يمكن الا وضعها في ملف " الشعر العاملي الحسيني "، اتسم بالصدق وتلظى حرارة الاحساس عند التعبير والنظر إلى الأشياء. وأدب كالأدب العاملي سمته الصدق في أهم أعمدته، هو ملتزم في جوهره حتى قبل أن تأخذ هذه الكلمة تحديدها الاصطلاحي الفني. ولذا فإن أحد أهم الشعارات التي سارت تحتها مظاهرات الحداثة الالتزام...
الكلمة السيف، كانت أصلا في صلب الأدب العاملي الذي يغني قضيته التاريخية.
ويتجلى هذا الأمر في الأدب العاملي إلى درجة ان البعض يأخذ على العامليين التزامهم هذا، وينعته بالانغلاق والبقاء عند الاطلال. وكان يمكن لنا أن نسلم جدلا بهذا الكلام لو أن شعراء جبل عامل اكتفوا بالماضي أو لو أنهم لم يأخذوا من الماضي هوية نضالية ليعلنوا عبرها انتماءهم لقضايا الحاضر.
ان البعض، ولأسباب غير مقدسة لا يريد أن يفهم أو يقر بأهمية المصادر الفنية العاملية، ويريد أن ينكر على الأدب العاملي مشروعية مصادره و أهميتها،
صفحة ٦
ولو حتى كان يجافي بذلك أحد أهم شعارات الحداثة أو أحد ابرز الحقائق الإنسانية المسلم بها والتي تعترف بأن الأدب العالمي الراقي هو نتاج الحزن البشري السامي. فروسيا كتبت من الأدب أجمل ما كتبته خلال تلك الفترة التي كانت تتخلص فيها من القيصر أو تتذكر فيها فيما بعد تضحياتها في هذه المعركة... والعرب ما كان الشعر فضيلتهم، لو أن الصحراء بطبيعتها وتركيبتها الاجتماعية كانت اسمح معهم وأرق وأكثر لطفا. وكتاب دول أمريكا اللاتينية يكتبون اليوم والعالم يستمع إليهم. ويمكن لنا أن نذهب ابعد من هذا لنقول: أن حوار الشمال والجنوب المعاصر حوار الفقراء والأغنياء يظل حوار طرشان إذا ما أخذ من زاويته السياسية، لكنه يظل حوارا فنيا من الدرجة الأولى، وهو بحق يمثل واحدا من أهم المصادر الفنية الحقيقية لأدب هذا العصر.
كل هذا يقودنا إلى استنتاج مركب يخص الشاعر في جانب منه ويخص مؤسسته الشعرية العاملية التي ينتمي إليها في الجانب الآخر. فالشاعر اكتسب تمايزه بامتلاكه للموهبة، وفيما شكل انتاجه الفني لونا جديدا هو مزيج من الأمس واليوم في مصادره وأسلوبه وتطلعاته... والواقع ان مثل هذه الألوان الفنية التي أنتجها الشعر العاملي في غير فترة هي التي كانت دائما تمد المؤسسة الشعرية العاملية بدم الاستمرار.
وإذا كنا قد سلطنا الضوء على كيفية تعامل الشاعر مع مصادر الأدب العاملي، فان الواقع يستلزم منا التنويه إلى أن الشاعر كان له إبداع آخر مع الحداثة في الأسلوب، في الكلمة الشعرية كتابة وممارسة (1).
شعره مرت له في هذا الكتاب قصيدتان رثائيتان: الأولى في الصفحة 112 من المجلد الثامن والثانية في الصفحة 445 من المجلد العاشر، وقد صدرت له مجموعة شعرية صغيرة سنة 1966 م بعنوان (في قرانا) وظلت بقية شعره مخطوطة لم تنشر.
وكان آخر ما نظمه أبياتا وجدت تحت وسادته في المستشفى نظمها وهو على فراش المرض قبيل وفاته:
بيتي على الرابية الحالمة * اشتاقه في اللحظة الحاسمة وانتشي من ذكر أحجاره * كأنني في سكرة دائمة حين رماني الداء في كوة * مظلمة كالليلة القاتمة اشتاق أن انشر اخباره * على ضفاف الموجة العائمة اشتاق أن توقد شمس الضحى * على جناح الشرفة النائمة فقبلوا أذيال أذيالها ما قام في خاطركم قائمة قال في أمير المؤمنين علي ع:
بي زهوي، فقد حضنت النهارا * واختيالا أعانق الأنوارا أنا في يومك التمنع والفيض * عطاياي من يدي غيارى قبضت راحتي على قطرات * من معانيك، تلهم الأفكارا كنت خليتها لنفسي شرابا * ثم أطلقتها، فكانت بحارا خطرة من سناك تلهم روحي... * خطرة من ضحاك تهدي الحيارى!
أي يوميك يا علي، فأدنوا... * منك زلفى، تبارك الأشعارا يوم سميت يا علي، فكان... * الكبر معناك، والعلاء شعارا كان يوما، ومكة في ضجيج * الشرك تفني أيامها استهتارا...
ولد الطفل في حمى الكعبة الطهر * فبشرى تفتقت في الصحاري تزرع القفر نعمة، والرمال * البكر، عزا، والمكرمات فخارا قدر الله أن تكون فتاها... * والمروءات تنتخي والشفارا وعلى الكوفة الجريحة يوم * صبغ الصبح من دماك احمرارا كان شهر الفرقان، في رمضان... * كل نفس به توقى العثارا ليلة القدر، والملائك أرواح * تنزلن، والقلوب عذارى لم تحرق بجمرة الدنس الغاوي * ولا ألبست هواها إزارا في خشوع الصلاة، في هدأة المحراب * والنفس تطلق الأسرارا لأب أفعى، واندس في المسجد * المحزون، وانهال مجرما غدارا وحسام ابن ملجم، يلعق الجرح * ويقتات خزيه والعارا...
ضربة! والامام يهزأ بالسم... * فكانت صلاته استغفارا ضربة! والشهيد يحتطب الخلد * وعبد العبيد يحطب نارا...
ضربة! وانطوت، لتنشر فينا... * صفحة منك تملأ الأسفارا كان عمرا ما بين يوميك، شال * الدهر كبرا، وروع الأقدارا كان عمرا يطيل من أمد الدنيا * ودنيا تطول الأعمارا شرف المنتهى، كما عظم البدء * وعزا شهادة وافتخارا!...
أي يوميك، كل ما فيك مجد... * يتعالى، ورفعة لا تجارى رائع فيهما، وتزدحم الدنيا * طوالا دهورها لا قصارا سل بها مطلع النبوة والاسلام * وادع الصحاب والأنصارا يوم بدر، وذو الفقار على * الروع، حتوف، يزلزل الكفارا ووساد الرسول، ليلة كادوا... * بالرسول افتديته إيثارا...
سل بها خيبرا، وقد هزم الشر * وهللت وازدهيت انتصارا أين ما شد من عزيمتك البكر... * فدك الحصون، والأسوارا خيبر تلك، عند مرمى حدود * زعموها وقسموها صغارا في فلسطين... عند مرمى ندائي * واليهودي مجرم لا يبارى خيبر هاهنا... وقد شوهوا القدس * وداسوا حرماتها استصغارا خيبر دارنا... ونحن بها العانون * سكنى، والضائقون جوارا وأخي النازح الملوح شلو... * بين أنياب حاضن يتضارى يطعم الكسرة التي حسبوها... * مهرت موطنا وشادت ديارا وطني ليس سلعة، في يد التجار * ذلوا وراوغوا تجارا بي عود إلى مشارف يافا... * ما تمادوا فلن اجل انتظارا وربوع الجنوب، أرضي كفاحي * ينشر المستبد فيها الدمارا خنجر في يد الفجور وشعب * اعزل ليس يرهب الفجارا وغدا سوف يزأر الخنجر الحر... * بحقي... ويقتل الجزارا!..
يا عليا، يا فيصلا في يمين الله... * يا وثبة تخوض الغمارا أنت من زرع أمتي... من عطايا * وطني... تنتخي وتحمي الذمارا هات وحد صفوفنا... واجمع * العرب سبيلا، وأمة وديارا، لا حدودا، لا ظلمة، لا سجونا * لا دخيلا بها ولا استعمارا
صفحة ٧
يا ابن عم النبي، تقفو خطاه... * وعلى الدرب، حيث طه أنارا قدر الله منذ أن بدأ الخلق * فتوحا، لدينه، وانتشارا واصطفى أحمدا رسولا أمينا... * صدق الله فيه حين اختارا رفة من جناح جبريل، لولاها * تشق السما وتنزل غارا لقرأنا نهجا كقرآن طه... * وكآي ابن مريم للنصارى غفر الله لي، وحبك أوحى لي * غلوي، وزين الأفكارا يا امام الأحرار نور لنا الدرب * فأنت اصطفيتنا أحرارا كل عام لنا، ببابك، طابت... * وقفة عنده وطبت مزارا جئت للكون مرة، وهو يرجو * منك في الدهر لو أتيت مرارا مرة والرجاء، يوغل في الدنيا * ولن يبلغ الرجاء القرارا واحدا في الزمان... وهو مجئ... * واحد، ما أعيد دهرا ودارا يا امام الثوار، تنهد جبارا * وفي الله تصرع الجبارا...
كل يوم لنا بدربك زحف... * للمعالي تمضي لها إعصارا...
يا عليا! وماج في حبك الصبح * قريضي... ولألأ الأنوارا أعطني من لدنك زهو القوافي... * وعجيبا إن لم تسل أنهارا أعطني من لدنك جمر المروءات... * فألظى، وقد عصرت النارا...
أجد الفئ من جناحيك يحويني * فآوي، وقد هدأت قرارا هات منك الرحيق... نسكر صاحين * على سكبه... ونصحو سكارى نشا الشعر في رياض معانيك * فأعطى... وأطعم الأثمارا...
خطرة من سناك تلهم روحي... * خطرة من ضحاك... تهدي الحيارى!
وقال:
عطورك! وانساب نبع الشروق ورف رفيف الجناح الطليق فللخطو، ترنيمة كالصلاة وللدرب ضلع ينز الخفوق صديقك نيسان ما لاح بعد فأين تخلف ركب الصديق وسابقت فينا، ربيع الكروم وعانقت قبل الصباح البريق فمن أين فوحت هذا العبير؟ وعن أي شمس لمحت الشروق!
تفتقت في الدرب أكمام ورد فقدست مجد الورود الفتيق وغار الأقاح فألوى خجولا على الروض، واحمر خد الشقيق فعند الشقائق عطر الجراح وعند الأقاحي ضلوع تتوق!
وضاقت دروب الضياء... فلاذ النهار بكوة فئ سحيق وأنت وعطرك، لاذت به حياتي، فما فيك درب تضيق تمنيت لو أنني قطرة بعطرك، أغفو، ولا استفيق فان هدهدتني يد بضة واهرقني منك مس رفيق وفيت النذور، حرقت البخور وأشعلت زيت دمي في الحريق لأولد في فم قارورة وأفنى بمنعطفات الطريق!
وفاح العقيق بخاطر دربي وخاطر شعري الذي لا يطيق عقيق تمثله خاطري ليكنزه، كنز مجد عريق...
ففوحي، وخلي العقيق يفوح فاني أحب اكتناز العقيق!
سكرت من العطر، في غير سكب فعطرك كالسكب خمر عتيق ورحت أشم الرحيق المذاب بقلبي! وكيف يشم الرحيق وأغرقت قلبي، بجدول طيب فعاش على راحتيك الغريق!
كنوزك، والثغر والمشتهى على شفتيك، وقد رشيق وطعم الثمار، وأرجوحتان تواثبتا، في الحرير الرقيق وجفن يخبئ أحلامه وجفن يبوح بسر عميق وقال:
هادئ مثلما يسيل الغدير وقوي كما تموج البحور...
لم أزل أعصب الضلوع عليه كي يعيش اللظى وتحيا الصدور خضب الوحي بالفتون جناحيه فغناه خاطري المفطور حبنا!! وارتمى الفراش على النور ليفنى صب وينهل نور همسة الفئ للضفاف حكتها ضفة سمحة، وفئ قرير!
كدمانا التي بذرنا... فعاشت في الحنايا وأطعمتنا البذور نحن من زرع ما أرقنا من الدمع وما صبه الدم المحرور شفق يزرع اللهيب على الأفق خضيب أصيله والبكور كان مهر الهوى... وقد بسم الحب فأعطت كما رغبنا المهور كنذوري، مشاعلي وزيوتي وهج... وابتهالة ونذور نحن والحب، ظامئ وكؤوس سكر الحب أو صحا المخمور!
يا هوى ناشئا على شرفات الفجر أوطانه الندى والزهور دافئا كالسماح... ريان كالأفياء نعمى غلاله وسرور ضاق عنه المدى الفسيح... وضج العمر فيه... فالعمر فيه دهور حل أضلاعنا، فأينع شوقا ولهيفا وباح عنه الزفير وطعمناه من لبان أمانينا أماني رزقها موفور وحرقنا له البخور لينمو فنما الحب وافتدانا البخور مهده في اختلاجه النبضة الحرى وسكناه في الزمان الضمير أي حب هذا الذي زرع الدنيا رجاء... فهو الرجاء النضير!؟
يا هوى سائحا على لألآت النجم منه طي وفيه نشور كملت رحلة النهار وقرت كرة الشمس، فهو شمس تدور ومضى يعمر الدجى فهو فيه لألآت وأنجم وبدور رحلة تصنع الحياة على الأيام فهو الحياة حيث تمور يا هوانا! وانصت الجدول الصاحي وأغفى على النشيد الخرير وتلاقت أمواجه والنسيم المترامي... والشاطئ المعمور وإذا الموج والنسيم كتاب عن هوانا وصفحة وسطور!
كل شئ يغار في الحب منا لو يوافيه من هوانا اليسير!
لو تفاق الخرير، لو عشق الصفصات يوما، ولو أحب الغدير أمنيات تبوح في خاطر العمر فيحلو قليلها والكثير!
يا هوى يستحم في ضفة الحلم أباريقه المنى لا النمير يتعرى كي ينسج الحلم ثوبا بعض ألوانه الشذى والعبير مستراح الندى هناك... مقيل الظل... مأوى تلم فيه العطور و مراح للشاربين ومغدى للنشاوى... وساكب وخمور وأفاق الربيع يهزج للحب وغنت مع الربيع الطيور
صفحة ٨
نحن دنيا الشروق... نحن حروف النور، آمالنا ربيع غضير غزلت ضوءنا الشموس فشدنا موئلا في الذرى رجته النسور وأقامت حدودنا في دروب النور، فانداح في ربانا النور حبنا منتهى الزمان فقري في مداه وللزمان ضمير!
وقال:
يا دفقة النور صباح الغد أنت وآمالي على موعد مقامنا عند احتضار الندى بين الضحى، والليل، والفرقد حشائش مفروشة، ههنا وههنا، فحيث شئت اقعدي والروض، حضن دافئ، والهوى وسادة من مهجتي، فارقدي ما أطول الليل الذي بيننا أواه، من مفرقة الأسود لو أنني املك ركب الضحى ولو تناولت الدجى في يدي قذفت بالليل وساعاته حتى يواري من طريق الغد كم موعد لي منك في خاطري يضيق، كالسقم، به عودي والموعد الحلو، على مره يحسدني في مره حسدي أ ليس بعد الملتقى فرقة وهل يكون الملتقى مسعدي كيف أروي العمر من لحظة يتيمة كالأبعد الأبعد!
النار في قلبي شبوب اللظى أنت لها برد فلا تبعدي إن نبترد، فاثنان في بردها أو نحترق فاثنان في الموقد فاقبلي فالعمر وقف على لقياك، يا أحلى من الموعد!
وقال من قصيدة بعنوان (في قرانا) ويقصد بها قرى جبل عامل:
كما جعل هذا العنوان لمجموعته الشعرية الوحيدة التي طبعت وكان منها هذه القصيدة:
في قرانا! يورق النور اشتهاء لقرانا!
كدسته الشمس أكواما على صحو ذرأنا...
كعروس، غرقت بالنور في جدول فضه وعلى خطوتها، تشهق في الأضلع نبضه والفتى نيسان يحتل على السهل ، مكانا ورجال في سفوح المجد يبنون الزمانا في قرانا!...
في قرانا أزهر اللوز وفاح البيلسان واللهيب الأبيض، المزهو عرس في الجنان أشعلته أنمل الخالق زهرا يتلألأ والندى يشربه الفجر ويسقيه حلالا!
والفتى نيسان!
ضيفنا نيسان بالباب ربيع من جديد فافتحوا الأبواب للقادم في موكب عيد إنه يحمل أزرارا وشمسا، وظلالا وقوارير من العطر ورزقا، وغلالا والفتى الإنسان الاله المنتضي معوله في كل تله دمه المعروق ينساب شذى من كل افلة إنه الإنسان الاله المنكر الأصغر أو شبه الاله يحصد الموت ليبقى خالدا مجد الحياة ذاته حقل من الحب ومن زرع المنى فدعوا نيسان يختار مقيلا عندنا...
فالرفيقان على العهد أقاما مهرجانا في قرانا!...
في قرانا! عند مرمى الصوت من أرض المعاد مارق يفزعه أني حر في بلادي بدعة العشرين، عار الجيل لا يمحوه ماحي فتعالوا نغسل العار بمخضل الجراح والفتى نيسان!
عزمة مؤمنة تحرس في صف الجنود ضاحكا يسخر من أسطورة خلف الحدود إنه يحمل إيمانك
صفحة ٩
بالأرض السليبه وقوارير من الموت لأعداء العروبة والفتى الإنسان الشهيد الحي يلظى بمروءات الرجال صابرا ينتظر الموت فداء عن تلالي أنه الإنسان عربيا كفلسطين سيبقى عربيا!...
ينكر العيش مع الذلة أو يقضي أبيا!
فدعوا نيسان يختال شبابا وفتوه...
وازرعوا الإنسان في الخندق كي ينبت قوه فالرفيقان على العهد أقاما مهرجانا في قرانا!...
إبراهيم العلوي بن حسين ولد في كربلا عام 1923 م وتوفي سنة 1962 م كان أبوه شاعرا معروفا في أندية الفرات ومجالسه. أخذ عن أبيه علوم النحو والصرف وتأثر به في الشعر لكنه استقل بموهبته الشعرية في العشرينات من عمره ورسخها بثقافته، عين في وزارة المعارف واختلط بالمجالس الأدبية في بغداد، له أكثر من ستة كتب والعديد من المقالات الأدبية في الدوريات العربية (1) الحاج ميزا إبراهيم مجتهد ولد سنة 1173 في شيراز وتوفي في طهران. وفي سنة 1211 سافر إلى العتبات المقدسة في العراق حيث درس علي السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض ثم عاد إلى شيراز وانصرف إلى البحث والتدريس والتأليف والعبادة.
له: بحر الحقائق في الفقه، وحاشية على كتاب معالم الأصول، وحاشية على اللمعة.
أبو الحسن شمس آبادي بن محمد إبراهيم ولد في أصفهان سنة 1326 واغتيل سنة 1396 في أطراف أصفهان.
درس المقدمات والسطوح في أصفهان. ثم سافر إلى النجف ودرس على كبار علمائها، ثم رجع إلى أصفهان فكان من مراجعها له: شرح الصحيفة السجادية، موعظة إبراهيم، رسالة في أصول الدين وغير ذلك.
الحاج ميرزا أبو الفضل الطهراني.
نشر له ديوان باللغة العربية بتحقيق جلال الدين الأرموي المحدث فكتب عنه السيد أحمد اللواساني في مجلة الدراسات الأدبية ما يلي:
هذا الديوان العربي مظهر لامتداد اهتمام الأدباء الإيرانيين باللغة العربية وآدابها حتى العصر الحاضر، فصاحبه الحاج ميرزا أبو الفضل الطهراني وهو عالم ديني مرموق توفي سنة 1316 ه. وقد تمكن من العربية وراضها قبل أن يهاجر إلى العراق سنة 1300 ه انتجاعا للعلم وتكملة للمعرفة حيث بقي عشر سنوات يتتلمذ ويتفقه على مرجع عصره الامام السيد محمد حسن الشيرازي، وبعد عودته إلى طهران فوض إليه الملك ناصر الدين شاه جميع شؤون المدرسة الناصرية الحديثة البناء، وفي بعض القيود أنه هو الذي افتتح مدرسة سبهسالار التي هي اليوم كبرى المدارس الدينية في طهران واسكن فيها الطلاب واشتغل بالتدريس فيها. وتعد له كتب التراجم الحديثة عدة كتب ورسائل، وتجمع كلها على ملكته الشعرية وطول باعه في العربية وحسن اطلاعه على الأدب العربي، والغريب أنه وهو الإيراني الفارسي اللغة والمنشأ والختام لم يعرف عنه في الفارسية إلا قصيدة واحدة.
وتكثر في الديوان القصائد الطوال التي يبدو أنها من خصائص شعر الناظم!، كما أنه عامر بالمقطعات المتوسطة والصغيرة وخاصة الرباعيات والموشح والتخميس.
أما القصائد الطوال فمعظمها في المدح، وهو مدح يكاد ينحصر بالنبي و الأئمة والزهراء ثم بالسيد محمد حسن الشيرازي علامة عصره الذي تطغى شخصيته على الديوان، فنقرأ اسمه مع مدائح الأئمة كما نقرأ اسمه مستقلا، وقلما تفوت ذكره والإشادة به مديحة من المدائح الطوال.
أما أسلوبه فهو الأسلوب القديم من الابتداء بالغزل أو الخمرة وما شابه، ومن تعظيم شان الممدوح وتشبيهه بالتشابيه المجسمة المبالغ فيها وجعله فوق مستوى الناس العاديين، وأما تعابيره فسهلة واضحة على الغالب رغم استعماله بعض الكلمات الغريبة، وله في أشعاره تعابير وإشارات إلى قصائد شعراء آخرين أو أحاديث أو وقائع تاريخية تدل كلها على سعة اطلاعه وكثير تبحره...
وعلى سبيل المثال ننقل قوله:
أيها المنكر المكابر جهلا فضل أهل الزمان من غير لب جئ بسيف من آل حمدان يوما كل يوما أجئك يا لمتنبي ومن شعره كذلك:
مهلا فما هي في الكؤوس عقار بل هذه مهج القلوب تدار يا من يصول على القلوب بمرهف من لحظة والموت منه غرار رفقا وانى فيك ينجع لوعتي وتحنني والظلم منك شعار أفدي لواحظك التي ان تلتفت من لمحها ظبي الصريم تغار عجبا للثغة لفظك الغنج التي للقلب منها نشوة وخمار يا من سبى عقلي واسلمني إلى وله الصبابة طرفه السحار لم لا تجود بوعدة من منطق من لطف لثغته العقول تحار السيد أحمد القزويني بن السيد حميد ولد سنة 1927 م في مدينة طويريج التي تعرف أيضا باسم: الهندية
صفحة ١٠
وتوفي سنة 1992 م كتب عنه السيد جودت القزويني (1) ما يلي:
هو السيد أحمد بن السيد حميد بن السيد صالح بن السيد مهدي الحسيني القزويني.
دخل بداية سنية الأولى (الكتاب) أو ما يسمى الدراسة عند (الملة)، وكان ذلك في مسجد آل القزويني القريب من دراهم، ودرس على يد أحد معلمي (الصبيان) وهو (أبو إحدبية الملا)، وبإشراف خاله السيد إبراهيم القزويني (المتوفى سنة 1978 م) الذي كان مراقبا عاما على الأطفال في هذا (المكتب).
وكان مركز (الكتاب) منظما على هيأة صفوف تحتوي على مقاعد دراسية.
وقد تعلم مبادئ القراءة والخط قبل أن ينتظم بالمدرسة الابتدائية وكانت في مدينة (طويريج) (2) مدرسة واحدة سميت بالمدرسة الابتدائية الأولى. وعند افتتاح الصف الثاني في المدرسة الابتدائية الثانية توسط مدير المدرسة لدى والده السيد حميد لينقل ولده أحمد إليها لكي يشجع نميره من التلاميذ للانتقال إليها.
وبعد إكمال المرحلة الابتدائية اضطر لإكمال دراسته لمرحلة المتوسطة في مدينة (الناصرية) حيث لم توجد مدرسة لمرحلة ما بعد الابتدائية في مدينته، فصحب خاله السيد كاظم القزويني المتوفي سنة 1396 (الذي عين سنة 1942 م مديرا لثانوية الناصرية) - للدراسة هناك، وبقي عامين دراسيين انتقل على إثرهما إلى الحلة عام 1945 م مع خاله الذي انتقل إليها مديرا لثانوية الحلة هذه المرة. لكنه فضل عدم مواصلة دراسته الرسمية والرجوع إلى مسقط رأسه، والإشراف على أملاك والده من الأراضي الزراعية.
وقد بدأت طموحاته تتفتح للحياة، وأخذ بفضل توجيه أبيه يكتب الشعر وينظمه حتى قوي عوده، وصلب.
وعند إجازة الأحزاب السياسية في العراق سنة 1947 م - 1948 م انتمى إلى حزب (الاستقلال) الذي كان يرأسه الشيخ مهدي كبة المتوفي سنة 1984، وهو لم يزل بعد في بداية سني شبابه، وربما كان ذلك بتأثير عمه السيد علي القزويني المتوفي في (16 حزيران سنة 1957 م)، الذي كان من مؤسسي حزب الاستقلال، وعضو الهيئة المركزية للحزب ومسؤول منطقة الفرات الأوسط يومذاك.
كانت مدينة (طويريج) في هذه المرحلة الزمنية مزدهرة بأعلام الأدب أمثال السيد محمد رضا الخطيب (3) والأستاذ إبراهيم الشيخ حسون، وغيرهم.
وكان مجلس آل القزويني عامرا بهم كل يوم. وكان (براني) هذه الدار مدرسة حقيقية لبعض الشباب المتطلع إلى الأدب والسياسة، فشب أحمد القزويني في مثل هذه الأجواء الملتهبة شعرا وأدبا وسياسة، وتألق بين أخدانه شاعرا مجدا، بدأ يشارك في الاحتفالات الدينية والسياسية التي يعقدها حزب الاستقلال في المناطق الفراتية حتى عرف بلقب شاعر (الاستقلال). ولعل في ديوانه المخطوط ما يؤرخ لكثير من أحداث هذه الفترة.
وفي سنة 1954 م عين أحمد القزويني رئيسا لبلدية الهندية. وقد اهتم في عمله بتحسين الظروف المعيشية لدى أبناء بلدته. وفي عهده تم إنشاء الجسر الحديدي للمدينة بدلا من الجسر الخشبي العائم وذلك عام 1955 م ليربط جانبي البلدة، كما يرجع له الفضل في إنشاء مشروع (الألسالة) الذي غطى المدينة، والقرى المجاورة بالماء.
وبقي في عمله حتى أواسط السبعينات الميلادية حيث نقل إلى مديرية بلديات الحلة. وأحيل على التقاعد عام 1982 م.
أدركت أحمد القزويني أوائل السبعينات الميلادية، وتوثقت صلتي به منذ عام 1972 حيث أصبحت شبه مؤهل لفهم طبيعة ذاته، وفنون شعره وأدبه، وأخذت أدرك ما لهذا الشخص من مكانة متميزة بين أفراد هذه الأسرة.
وبالرغم من ملكاته الذاتية، ومواهبه الأدبية، وصلاته الاجتماعية الواسعة إلا أن شهرته بقيت مقتصرة على وسطه، وقد اختفى شعره عن الأنظار، ولم يواصل النشر، ولا حتى التفكير بطبع نتاجه الأدبي، أو دراساته التي كتبها في أكثر من مجال.
وكان في تصرفاته متوازنا مع ذاته، محبا للناس، يعطي كل ذي موهبة حقه، محدثا لا يمل حديثه، وطريقا يبدع في مواطن الطرفة حتى لو كانت على نفسه، مع أدب واحتشام ومروءة. وأحفظ من نوادره، وفنه الاجتماعي كثيرا من الطرف والملح سجلت بعضها في ثنايا كتاب " الروض الخميل ".
فمن شعره ما نظمه في تخليد حادثة عزاء طويريج (4) التي سقط فيها أكثر من ثلاثين قتيلا على أحد أبواب مرقد الإمام أبي الشهداء:
ذكراك وهي مدى الزمان تخلد وأريج ذكرك عاطر يتجدد إيه أبا الشهدا ببابك فتية نالوا الشهادة في حماك فخلدوا سمعوا الندا يعلو ألا من ناصر عنا يذب غداة عز المنجد فأتتك أرواح لهم تهفوا على ذاك الضريح وعند بابك تسجد ما الموت أدرك من ببابك إنما موت الشهيد بيوم رزئك مولد!
ساهم أحمد القزويني بالكتابة الصحفية، وأخذ بنشر مقالاته ودراساته في الصحف العراقية، كما نشر كثيرا من شعره السياسي الذي حفلت به مرحلة
صفحة ١١
الخمسينات والستينات الميلادية. ولجأ إلى التأليف وقدم عددا من البحوث منها:
1 - جناية السياسة على الأدب. وهو بحث عالج فيه (جدلية الرجال وتغير المواقف السياسية) يقع في حدود المائة صفحة.
2 - من وحي شهر رمضان، أو (خواطر صائم). نشر منه مقالات متتابعة.
3 - الإمام الحسن بن علي (ع) دارسة وتحليل.
4 - ديوان شعره، سماه " تراث الأديب " يقع في جزأين 5 - طويريج منذ التأسيس حتى اليوم.
6 - كتاب النوادر في الأخبار والأشعار والطرف الأدبية.
كتاب النوادر انبثقت فكرة تأليف كتاب " النوادر " عام 1984 م كرغبة شخصية بحتة كان المؤلف يسعى إلى تحقيقها، ولم شتات ما قرأه، أو سمعه من طرف، ونوادر استحسنها بذوقه الفني والأدبي.
وتطورت هذه الفكرة إلى جمع هذه الأشتات بعضها إلى بعض تحت عنوان " الطرف الأدبية "، إلا أن الكتاب لم يكن مرتبا على العناوين، وإن كان متناسقا في جمعه، وتأليفه.
احتوى كتاب " النوادر " على مجموعة من الملتقطات الشعرية، والحكايا المستملحة تختلف في فتراتها الزمنية، فبعضها يختص بأدب القرن التاسع عشر الميلادي، أما القسم الثالث - وهو أهمها - فيعود إلى أدب القرن العشرين ممن أدركهم المؤلف، أو عاصرهم، أو سمع عنهم من أدباء العصر وشعرائه المشهورين أو المغمورين على حد سواء.
امتاز الكتاب في كل ما حواه - أن مؤلفه استطاع أن ينقل هذه الطرف، والأخبار، والنوادر بأسلوبه الذاتي، ونكهة تعبيره الخاص، مما أضفى على أحاديثه أسلوبا مجلسيا شيقا، لا تكلف فيه، وهو أقرب ما يكون إلى الأسلوب المترسل الأخاذ.
كما حفل أيضا بأسماء نخبة من شعراء الأدب المنسي الذين لم يترجموا في كتاب، ولا عرف أحد منهم في أوساط الشعر والأدب رغم ملكاتهم، وغزارة نتاجهم الأدبي.
ولما كان الكتاب خاليا من العناوين، كانت مهمة الوصول إلى هذه الأخبار والطرف ليست باليسيرة، فجهدت إلى وضع عناوين مستلة من جو المناسبة لتسهل على القارئ الاهتداء إلى مطالب الكتاب، واختيار ما يتطلبه بأقصر وقت، وقد وضعت ترقيما متسلسلا لهذه الأخبار والأشعار، والطرف الأدبية بلغ مائتين واثنين وعشرين مطلبا.
كما علقت على بعض المواضع التي رأيت ضرورة الإشارة إليها، وميزتها عن الهوامش التي وضعها المؤلف بنفسه، ورمزت لها بالحرف (ج).
وقد عثرت على أبيات للمؤلف يود فيها أن يرى كتابه بيد قرائه ليشاركوه المتعة في اقتناص هذه الشوارد، وكان يحس أن ظهور ا لكتاب في حياته ضرب من ضروب الأماني حيث قال:
" قلت: وأنا أشارف على نهاية كتاب " طرف أدبية "، وأمنيتي في طبعه:
عز في عيني كتابي وانقضى مني شبابي ليتني أعلم هل أسطيع إكمال كتابي أي فضل لفتى يخرجه بعد غيابي ثم أردف أبياته هذه ببيتين لما أتم تأليف الكتاب، وهما:
فمتى أراك موزعا تغزو المكاتب والبيوتا فلقد بذلت لك الكثير لتغتدي للفكر قوتا ويحز في نفسي أن يخرج الكتاب إلى عالم النور بعد غياب مؤلفه، وكلي أمل أن يكون هذا الجهد مدعاة لتجديد اسم أحمد القزويني، وتخليد ذكراه!
الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء مرت ترجمته في موضعها ولم تذكر سنة وفاته، توفي سنة 1344.
السيد أحمد الخونساري ولد سنة 1309 في خونسار وتوفي سنة 1405 في طهران ودفن في قم درس دروسه الأولى في خونسار ثم في أصفهان ثم انتقل إلى النجف الأشرف فحضر على السيد كاظم اليزدي وشيخ الشريعة الأصفهاني والشيخ حسين النائيني والشيخ ضياء العراقي، ثم جاء إلى قم فحضر على الشيخ عبد الكريم الحائري، ثم استقر في طهران وبقي فيها حوالي الخمس والثلاثين سنة مرجعا من كبار مراجعها.
ترك من المؤلفات: 1 جامع المدارك في الفقه 2 العقائد الحقة 3 حاشية على العروة الوثقى 4 مناسك الحج 5 رسالة عملية.
8: أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله مرت ترجمته في الصفحة 16 من المجلد الثالث ونزيد عليها هنا ما يلي:
مر في ترجمته شعر له يدل على تشيعه، ونزيد هنا على ذلك الشعر هذين البيتين:
لعمرك ما أسر بيوم فطر ولا أضحى ولا بغديرهم وكم ابدى تشيعه غوي لأجل تنسب ببلاد قم ومعلوم ان الشيعة يعتبرون يوم (غدير خم)، وهو اليوم الذي خطب فيه النبي (ص) بعد عودته من حجة الوداع خطبته الشهيرة التي قال فيها: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة معلوم ان الشيعة يسمون هذا اليوم (عيد الغدير) ويحتفلون به، وأبو العلاء يذكره هنا مقرونا بعيدي الفطر والأضحى، اي يعتبره عيدا اعتبار الشيعة له، وليس من دلالة على تشيع أبي العلاء أوضح من هذه الدلالة. (انتهى) وبعد هذا نأخذ مما كتبه الدكتور حسين مروة في دراساته عن أبي العلاء لا سيما عن ديوانه " سقط الزند " ما هذا نصه:
هل خلا أدب " سقط " الزند من الأدب القومي؟ كان أبو العلاء مفكرا انسانيا يتأبى النزعة القومية ويرفض " التضييق " على نزعته الإنسانية بأن " يحدها " اطار من النظر الخاص إلى نسبته العربية؟
لا بد أن يرد مثل هذا السؤال على أذهاننا، ولا بد ان نقارن أبا العلاء بصاحبه أبي الطيب الذي نفح عروبته بقصائد ذات صيت معروف، ثم نسأل: أ كان لتلك الصحبة الروحية الحميمة بين أبي العلاء وشعر أبي الطيب اثر ظاهر في شئ من أدب شاعر المعرة؟
اما في " اللزوميات " فقد يكون البحث عن هذا بحثا لا يجدي ولا يثمر، إذا كان القصد ان نعثر فيه على كلام مباشر يتحدث عن شأن خاص بالعرب،
صفحة ١٢
من حيث علاقته بهم وعلاقتهم به، أو من حيث موقفهم السياسي أو العسكري من أعدائهم والطامعين في بلادهم أو في موقف أعدائهم منهم.
ولكن سنجد في " اللزوميات " أفكارا وآراء كثيرة تتسم بالطابع الفكري النظري وهي ذات مقاصد سياسية واجتماعية متأثرة بجوهر الأوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت تسود المجتمع العربي الاسلامي في عهده، وكانت الدولة العربية الإسلامية، بوجه عام، مصدر الكثير من هذه الأوضاع. انه يتحدث هناك عن الرؤساء والأمراء إذ يراهم يعدون على الرعية، وهم اجراؤها، ويتحدث عن مظاهر الفساد والاضطراب في مختلف مناحي الحياة العربية يومئذ، ويتحدث عن المظالم الاجتماعية تصيب فئات المجتمع الضعفاء، وعن سوء توزيع الحظوظ بين الناس، إلى غير ذلك من الانعكاسات الحقيقية الصادقة عن أوضاع المجتمع والدولة في شعر " اللزوميات " كما يعرف الجميع.
ولكن، ما إلى هذا النوع قصدت، حين وضعت السؤال بأمر الشعر القومي في أدب أبي العلاء. بل قصدت إلى وجه آخر من هذا الأمر، حيث يبدو الشاعر وكأن احساسا ينبع من وجدانه الشاعري فيهز ملكاته وأدواته الفنية للتعبير عن عاطفة الاعتزاز بقومه: بتقاليدهم، بمفاخرهم، بشمائل معينة من أخلاقهم، بوقائع معروفة من فعالهم، بمزايا مأثورة من مزاياهم وخصائص تاريخهم... هل في شعر " سقط الزند " شئ من هذا؟
نعم، وهنا لنا فارق جديد بين " سقط الزند " و " اللزوميات "، أو بين المعري في مرحلتيه: الأولى والثانية:
نقرأ قصيدته التي مطلعها:
هو الهجر حتى ما يلم خيال وبعض صدود الزائرين وصال وعجيب ان المعري يخرج من المطلع هذا، ليدخل رأسا إلى موضوع القصيدة، دون أن يستنفد شيئا من طاقته في ما عودنا إياه من تقديم الغزل والنسيب ووصف المسير والإبل والفيافي ومشاق الاسفار وظلمات الليالي وعصف الرياح ومشاهد النجوم ووهج السيوف واكتظاظ الرماح، إلى نهاية السلسلة...
ينتقل من المطلع رأسا، وهو طافح العنان، إلى حديث هذا الفتى العربي الذي " تقصر الابصار عن قسماته " وتقوم الهيبة والجلال يسترانه دون كل ستر يمنع النظر إليه، ونحن لا نعرف من هو هذا الفتى المهيب، ولكننا نعرف انه قائد معركة دارت في " حارم " من شمال سوريا، وأن المعركة كانت على الثغور بين جيشه وجيش الروم الذي اعتاد أن يغزو بلاد العرب على تلك الحدود، ويهيجنا الشاعر لأن نصغي ونرى كيف يجيش على الخيل التي يقودها الفتى العربي بحر من الكتائب، وتخر إليها الشهب وهي نصال، وكيف يترامى إلى المعركة:
فوارس قوالون للخيل أقدمي وليس على غير الرؤوس مجال لهم أسف يزداد اثر الذي مضى من الدهر سلما ليس فيه قتال بأيديهم السمر العوالي كأنما يشب على اطرافهن ذبال (1) وبعد قليل نرى الشاعر، في انقض الحماسي، وقد انقض على جماعة الروم الغزاة، حين تصورهم في غمرة الذعر وشدة المحنة عند لقاء الكتائب اليعربية، فإذا هو يجهز عليهم بهذا الهدير:
بني الغدر، هل ألفيتم الحرب مرة وهل كف طعن عنكم ونضال وهل أطلعت سحم الليالي عليكم وما حان من شمس النهار زوال (2) وهل طلعت شعث النواصي عوابسا رعال ترامى خلفهن رعال (3) لها عدد كالرمل المبر على الحصا ولكنها عند اللقاء جبال (4) فان تسلموا من سورة الحرب مرة وتعصمكم شم الأنوف طوال (5) ففي كل يوم غارة مشمعلة وفي كل عام غزوة ونزال (6) خذوا الآن ما يأتيكم بعد هذه ولا تحسبوا ذا العام، فهو مثال ونجري سراعا مع الشاعر، لكي نرى خيل الكتائب العربية، وهن:
يردن دماء الروم، وهي غريضة ويتركن ورد الماء، وهو زلال (7) تجاوزه بالوثب كل طمرة تمازج في فيها دم ورؤال (8) تدانت به الأقران، حتى تجاثأت كأن قتال الفيلقين جدال (9) وقد علم الرومي انك حتفه على أن بعض الموقنين يخال فما كبروا حتى يكونوا فريسة ولا بلغوا ان يقصدوا فينالوا ونجول جولة ثانية في " سقط الزند "، فإذا بنا نقف دهشين أمام هذا المستهل يفجؤنا منه هذا الصدى المتجاوب المرنان:
لقد آن أن يثني الجموح لجام وأن يملك الصعب الابي زمام أ يوعدنا بالروم ناس، وإنما هم النبت، والبيض الرقاق موام؟
أبو العلاء هنا فارس على أهبة ان ينزل المعركة، ولكنه يبتدر العدو بالنذير الرهيب قبل النزال، والعدو هنا هو جيش الروم كذلك أو من يواليهم ويستعديهم من الخونة الأعراب، والمعركة دفاع عن الثغور، وذياد عن الحمى العربي، وانتخاء لضرب الغزاة، واعتزاز بأمجاد الفروسية العربية:
كان لم يكن بين المخاض وحارم كتائب يشجين الفلا وخيام (10) ولم يجلبوها من وراء " ملطية " تصدع أجبال بها وآكام (11) كتائب من شرق وغرب تألبت فرادى أتاها الموت، وهي تؤام غرائب در جمعت، ثم ضيعت وقد ضم سلك شملها ونظام بيوم كأن الشمس فيه خريدة عليها من النقع الاحم لثام (12) كأنهم سكرى أريق عليهم بقايا كؤوس ملؤهن مدام فأضحوا حديثا كالمنام وما انقضى فسيان منه يقظة ومنام والظاهر من سياق القصيدة انها موجهة إلى قائد عربي امتحنته التجارب بمقاتلة الروم، ولكن المصادر التي بأيدينا لا تعين لنا هذا القائد، غير أن لهجة أبي العلاء في هذه القصيدة ليست لهجة المادح كما نعرف طرق المدح في شعرنا القديم، بل من الواضح أن أبا العلاء هنا يعبر عن انفعال وجداني بالقضية التي
صفحة ١٣
تدور عليها القصيدة، وظاهر ان القضية ليست تعني الشاعر وحده، ولا الممدوح وحده، وإنما هي تعني قوما من الناس نحس أن الشاعر عظيم الاعتزاز بهم، عميق الثقة بسلامة قضيتهم التي تتحدث عنها القصيدة، ونجد في ذلك حرارة لا تكون في الشعر عادة الا أن تكون هنا مشاركة وجدانية بين الموضوع والشاعر:
وردوا إليك الرسل، والصلح ممكن وقالوا على غير القتال سلام فلا قول الا الضرب والطعن عندنا ولا رسل الا ذابل وحسام فان عدت، فالمجروح توسى جراحه، وان لم تعد متنا ونحن كرام فلسنا وان كان البقاء محببا - بأول من أخنى عليه حمام (1) وحب الفتى طول الحياة يذله وان كان فيه نخوة وعرام وكل يريد العيش، والعيش حتفه ويستعذب اللذات وهي سمام (2) فلما تجلى الأمر، قالوا تمنيا: ألا ليت أنا في التراب رمام وراموا التي كانت لهم وإليهم وقد صعبت حال وعز مرام وإذا كانت المصادر التي نرجع إليها الآن في سيرة أبي العلاء لا تلقي ضوءا على موضوع هذه القصيدة أو على صاحبها الذي يخاطبه فيها أبو العلاء، برغم الجهد الذي بذلناه في استنطاق الحوادث التي عاصرها الشاعر قبل رحلته إلى بغداد وبعد هذه الرحلة، وفي مقارنة روح القصيدة ومضامينها بتلك الحوادث نقول: إذا كانت المصادر لا توضح لنا شيئا يطمئن إليه الباحث بهذا الشأن، فإننا نميل إلى الحدس - الحدس وحسب - بأن أبا العلاء أنشأ هذه القصيدة خلال البرهة التي كانت الحرب فيها سجالا بين الفاطميين والبيزنطيين في بلاد الشام، وذلك قبل ان يرحل أبو العلاء إلى بغداد، وحين كان في المرحلة الأولى من حياته، مرحلة الشباب.
وهذا الحدس، إذا دعمه دليل أو شاهد تاريخي مقبول، إنما يوجه هذه القصيدة لأن يكون صاحبها الذي قيلت فيه واحدا من قادة الجيوش الفاطمية التي حاربت البيزنطيين في بلاد الشام نحو أربع سنوات، كما مر، فإذا استطعنا أن نطمئن إلى هذا التوجيه، وضعنا دليلا جديدا بيد الباحث الكبير مارون عبود على صحة رأيه بأن أبا العلاء كان فاطمي المذهب.
غير أن هذه النتيجة، إذا أمكن الوصول إليها من الوجهة التاريخية بالأقل، لا تمنع ان تظل القصيدة هذه ذات وجه عربي تتلامع فيه من أبي العلاء ملامح الاعتزاز بعروبته والانتخاء لكرامة قومه وعزتهم.
وقد تزيد هذه الملامح تألقا حين نطوف مرة أخرى في أشعار " سقط الزند " فإذا أبو العلاء يستوقفنا أيضا عند هذه القصيدة التي مطلعها:
إليك تناهى كل فخر وسؤدد فأبل الليالي والأنام وجدد ولكنه يبهم علينا الأمر هنا كذلك، فلا يزيد في عنوان القصيدة عن هذه الكلمات: " وقال أيضا مادحا "... أما من هو الممدوح هنا، فكل شئ مبهم لا يرد جوابا عن ذلك. ولا ندري أ كان قصدا من أبي العلاء إلى هذا الابهام، وهو جامع " سقط الزند " كما نعلم، أم كان ذلك من صنع الأيدي الكثيرة التي تداولت نسخ الديوان، أم من صنع الناشرين بعد ذلك؟
المرجح أن ذلك من صنع أبي العلاء نفسه، بدليل ما جاء في مقدمته لسقط الزند من اظهاره التنصل من مدائحه التي وجهها إلى الأمراء والحكام، إذ قال:
" ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد، ولا مدحت طالبا للثواب، وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس " الطبيعة ". ثم قال في تفسير مدائحه: "... وما وجد لي من غلو علق في الظاهر بآدمي وكان مما يحتمله صفات الله عز وجل سلطانه، فهو مصروف إليه، وما صلح لمخلوق سلف من قبل، أو غير، أو لم يخلق بعد، فإنه ملحق به وما كان محضا من المين لا جهة له، فأستقيل الله العثرة فيه ".
فإنه لظاهر من هذا النص أن أبا العلاء حين جمع " سقط الزند " وهو معتكف في " محبسيه " كان حريصا ان يتنكر لعلاقاته السابقة برجال السياسة أيام شبابه و قبل اعتكافه، وبتأثير هذا الحرص تعمد ان يغفل أسماء ممدوحيه في سقط الزند ليطمس معالم العهد الذي سبق عهد عزلته. وهذا سر آخر من أسراره التي غمضت على المؤرخين له والباحثين في شأنه. ولكن هل تنصل أبي العلاء من مدائحه تلك في عهد عزلته يغير شيئا من الواقع نفسه، نعني الواقع الموضوعي الذي أنشئت تلك القصائد من أجله؟ ان رغبة أبي العلاء ذات صفة أخلاقية وفكرية مرهونة بحاله في عهد خاص، وأما ذلك الواقع فله صفة تاريخية موضوعية لا يغيرها شئ.
ولكن مؤرخي أبي العلاء هم المقصرون، فلم ينفقوا جهدا في كشف العلاقة بين قصائد المدح وروابطها التاريخية، في حين ان مثل هذه المهمة تدخل في صميم التاريخ الحقيقي لرجل ذي شأن كشأن أبي العلاء... ويقينا لو أن المؤرخين، قدماء ومحدثين، قد عنوا بهذه المسألة لانكشفت لنا غوامض جمة من سيرة الرجل، ومن مذاهب الرأي فيه، ومن أسباب عزلته وتزهده، ومن اتجاهاته العقلية والدينية.
وكيف كان الأمر، فإن أبا العلاء يستوقفنا الآن في " سقط الزند " عند هذه القصيدة، فإذا نحن نعلم - كل ما نعلم - ان الممدوح بها أمير عربي محارب، وانه من القادة الذادة عن ثغور الدولة العربية الإسلامية على حدود الروم من شمال سورية، وذلك إذ يخاطبه أبو العلاء:
ولولاك لم تسلم " أفامية " الردى وقد أبصرت من مثلها مصرع الردي (3) فأنقذت منها معقلا هضباته تلفع من نسج السحاب وترتدي وحيدا بثغر المسلمين كأنه بفيه مبقى من نواجذ أدرد (4) بأخضر مثل البحر ليس اخضراره من الماء، لكن من حديد مسرد (5) وقبل أن نفرع من أمر هذه القصيدة، نرى من المهم أن نشير إلى بصيص من نور يلوح لنا خلال أبياتها، ذلك إذ ترد كلمة " الشريف " في هذه القصيدة مرتين يطلقها الشاعر على ممدوحه حين يخاطبه:
متى أنا في ركب يؤمون منزلا توحد من شخص " الشريف " بأوحد يذكرن من نيل " الشريف " مواردا فما نلن منه غير شرب مصرد فمن هو هذا " الشريف " المحارب للروم في عهد أبي العلاء إذ ثغور العرب قد تساقطت حصونها إلى أيدي الروم، ولم يبق منها غير واحد يسميه الشاعر " أفامية " وقد أنقذه هذا " الشريف " نفسه؟...
نرجع إلى التاريخ السياسي لذلك العهد، نبحث فيه عن قائد عربي شغل نفسه في محاربة الروم أيام كان أبو العلاء يمدح الأمراء والقواد، ويعني بالثناء على ذادة الثغور ومنقذي الحصون العربية من البيزنطيين أنفسهم. نرجع إلى ذلك التاريخ، فلا نجد من يصح أن يتوجه إليه مثل هذا الخطاب من أبي العلاء، ويكون مع ذلك من " الشرفاء "، غير قائد ينتسب إلى جيوش
صفحة ١٤