مروج الذهب ومعادن الجوهر
فلما كان في الليلة الثانية دعابهما، فقال: عودا إلى ما كنتما عليه البارحة، واشرعا في أخبار الحلائب ومراتب الخيل فيها، قال الغلام: يا أمير المؤمنين، أذكر قولا جامعا أخبرني به كلاب بن حمزة العقيلي، قال: كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل، والقصب تسعة ولا يدخل الحجرة المحجرة من الخيل إلا ثمانية، وهذه أسماؤها: الأول السابق، وهو المجلي، قال أبو الهندام كلاب: إنما سمى المجلي لأنه جلى عن صاحبه ما كان فيه من الكرب والشدة، وقال الفراء: إنما سمى المجلي لأنه يجلي عن وجه صاحبه، والثاني المصلي؛ لأنه وضع جحفلته على قطاة المجلي، وهي صلاه، والصلا: عجب الذنب بعينه، والثالث المسلي؛ لأنه كان شريكا في السبق، وكانت العرب تعد من كل ما تختار ثلاثة، أو لأنه سلى عن صاحبه بعض همه بالسبق، والرابع التالي، سمي بذلك لأنه تلا هذا المسلي في حال دون غيره، والخامس المرتاح، وهو المفتعل من الراحة؛ لأن في الراحة خمس أصابع لا يعد منها غيرهن، وإذا أومأت العرب من العلا إلى خمس فتح الذي يومئ بها يلى وفرق أصابعه الخمس، وذلك أيضا ما يؤمنون به من غير عقد الحساب، ثم يكون بعدها إلى أن تكون عشرة فيفتح الذي يومئ بها يديه جميعا، ويقابل الخمس أصابع بالخمس، فلما كان الخامس مثل خامسة الأصابع وهي الخنصر سمي مرتاحا، وسمى السادس حظيا؛ لأن له حظا، وقيل: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى السادس قضيبه، وهي آخر حظوظ خيل الحلبة، غير أنه له حظ، وسمي السابع العاطف، لدخوله الحجرة لأنه قد عطف بشيء وإن قل، وحسن إذا كان قد دخل الحرجة المحجورة، وسمي الثامن المؤمل على القلب والتفاؤل كما سموا الفلاة مفازة واللديغ سليما، وكنوا الحبشي أبا البيضاء، ونحو ذلك، فكذلك سموا الخائب المؤمل، أي أنه يؤمل وإن كان خائبا؛ لأنه قرب من بعض ذوات الحظوظ بعد، والتاسع اللطيم؛ لأنه لو رام الحجرة للطم دونها لأنه أعظم جرما من السابع والثامن، والعاشر السكيت لأن صاحبه يعلوه خشوع وذلة ويسكت حزنا وغما، فكانوا يجعلون في عنق السكيت حبلا ويحملون عليه قردا، ويدفعون للقرد سوطا؛ فيركضه القرد ليعير بذلك صاحبه، وأنشد في ذلك الوليد بن حصن الكلبي:
إذا أنت لم تسبق وكنت مخلفا ... سبقت إذا لم تدع بالقرد والحبل
وإن تك حقا بالسكيت مخلفا ... فتورث مولاك المذلة بالنبل
أما ذكره النبل فإن بعضهم كان يفعل ذلك: ينصب فرسه ثم يرميه بالنبل حتى يتعجف، وقد فعل ذلك النعمان بفرسه النهب، قال كلاب بن حمزة: ولم نعلم أحدا من العرب في الجاهلية والإسلام وصف خيل الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها وذكرها على مراتبها غير محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان بالجزيرة بالقرية المعروفة بحصن مسلمة من إقليم بلسخ من كورة الرقة من ديار مضر فإنه قال في ذلك:
شهدنا الرهان غداة الرهان ... بمجممة ضمها الموسم
نقود إليها مقاد الجميع ... ونحن بصنعتهما أقوم
غدونا بمقوودة كالقداح ... غدت بالسعود لها الأنجم
مقابلة نسبة في الصريح ... نما هن للأكرم الأكرم
كميت إذا ما يباطى يبل ... يفوت الخطوط إذا يلجم
فمنهن أحوى ممر أغر ... وأجود ذو غرة أرثم
تلألأ في وجهه فرجة ... كان تلألؤها المرزم
فقيدت لمدخور ما عندها ... لمنتظري أنها تنجم
عليهن سحم صغار الشخوص ... نماهم لحام أتى أسحم
كأنهم فوق أشباحها ... زرازير في سقف حوم
فصفت على الحبل في محضر ... بلى أمره ثقة مسلم
تراضوا به حكما بينهم ... فبالحق بينهم يحكم
وربك بالسبق عن ساعة ... من الناس كلهم أعلم
صفحة ١٨٨