مروج الذهب ومعادن الجوهر
وكان لا يجلس إلا على قطعة مسح، يشبه أن يكون طوله سبعة أشبار في عرض ذراعين أو أرجح، وإلى جانبه ترسه وعليه اتكاؤه، وليس في مضربه شيء غيره، فإذا أراد أن ينام من ليله أو نهاره، اضطجع على ترسه، ونزع راية فيجعلها مخدته، وأكثر لباسه خفتان مصبوغ فاختي. وكان من سنته أن للقواد والرؤساء والعظماء عنده مراتب في الدخول بباب مضربه، بحيث تقع عينه عليهم، ويرى مداخلهم، فيمرون مع أطناب الشقاق إلى خيمة مضروبة، بحيث لا يرى هو موضعها، لكنه يرى مداخلهم إليها، ومخرجهم منها، فمن احتاج إليه منهم، واحتاج، إلى كلامه أو أمره أو نهيه، دعاه فأمره، وكان دخولهم بحيث يقع نظره عليهم عوضا من السلام عليه، ولم يكن لأحد أن يتقدم إلى باب مجلسه إلا رجل من خواصه، يعرف بالعزيز، وإخوته، وله من وراء خيمته خيمة تقرب من أطناب مجلسه، فيها غلمان من خواصه، فإذا احتاج إلى أمر يأمر به صاح بهم، فخرجوا إليه، وإلا فهو في أكثر نهاره وليله في ذلك الموضع لا يقومون على رأسه، وخيمته من داخل أخبية مطنبة، كلها يدور فيها ؟؟؟ نقص صفحة 218 219 220 221 من الكتاب يقع عليه الإحصاء، ولا يعلم ذلك إلا عالم الغيب، فيما فتح من هذه الأمصار والبلدان والضياع وأباد من أهلها، والمقلل يقول: أفنى من الناس خمسمائة ألف نفر، وكلا الفريقين يقول في ذلك ظنا وحدسا، إذا كان شيئا لا يحرك ولا يضبط.
وكان مقتله على ما بينا آنفا سنة سبعين ومائتين، وذلك في خلافة المعتمد.
صاعد بن مخلد
وقد كان الموفق بعد ذلك وجه بصاعد بن مخلد في سنة اثنتين وسبعين ومائتين إلى حرب الصفار، فأمره على من معه من الجيوش، وشيعه الموفق، فلما صار إلى بلاد فارس تجبر واشتد سلطانه، وانصرف من المدائن في بعض الأيام فاحتجم في خفة ورانة عليه، ونمي ذلك إلى الموفق وما هو عليه من التجبر، فقال في ذلك أبو محمد عبد الله بن الحسين بن سعد القطربلي الكاتب في قصيدة طويلة اقتصرنا منها على ما نذكره، وهو:
تكفر لما طغى ... ودان بدين العجم
وأصبح في خفة ... وفي رانة محتجم
فأشخصه الموفق إلى واسط، فكان مدة مقامه في الوزارة سبع سنين إلى أن قبض عليه وعلى أخيه عبدون النصراني.
وماتت جارية لصاعد بعد حبسه، وكانت الغالبة على أمره، وكان يقال لها جعفر، وماتت بعدها بأيام أم الموفق؛ ففي ذلك يقول عبد الله بن الحسين بن سعد من أبيات له:
أخذت جعفر برأس القطار ... ثم قالت: آذنتكم بالبوار
فأجابت أم الأمير وقالت: ... قد أتيناك أول الزوار
وسيأتيك صاعد عن قريب ... كتبه للبلاء في الاستطار
وأحصى ما وجد لصاعد من الرقيق والمتاع والكسوة والسلاح والآلات في خاصة نفسه، دون ما وجد لأخيه عبدون، فكان مبلغه ثلاثمائة ألف دينار، وكان مبلغ غلته في سائر ضياعه ألف ألف وثلاثمائة ألف.
ومات صاعد في الحبس، وذلك في سنة ست وسبعين ومائتين.
وفاة جماعة من الأعيان
وفي سنة سبعين ومائتين كانت وفاة أبي سليمان داود بن علي الإصبهاني، الفقيه ببغداد، وفيها مات أبو أيوب سليمان بن وهب الكاتب، وأحمد بن طولون، وذلك بمصر يوم السبت لعشر خلون من ذي القعدة من سنة سبعين ومائتين، وله خمس وستون سنة.
أحمد بن طولون وابنه
وكانت ولاية أحمد بن طولون سبع عشرة سنة، وكان بين الظفر بصاحب الزنج ومرض أحمد بن طولون عشرة أشهر، ولما يئس أحمد بن طولون من نفسه بايع لابنه أبي الجيش بالأمر من بعده، فلما توفي جند أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون العهد لنفسه.
وقعة الطواحين
صفحة ١٢٧