مروج الذهب ومعادن الجوهر
فاندفعت تغنيه، فقال له محمد: أعاشق أنت يا ماني؟ فاستحيا، وغمزه ابن طالوت أن لا يبوح له بشيء فيسقط من عينيه، فقال: مبلغ طرب وشوق كان كامنا فظهر، وهل بعد الشيب صبوة؟ ثم اقترح محمد على مؤنسة هذا الصوت:
حجبوها عن الرياح لأني ... قلت: يا ريح بلغيها السلاما
لو رضوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها عند الرياح الكلاما
فغنته، فطرب محمد، ودعا برطل فشرب، فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه:
فتنفست ثم قلت لطيفي: ... إن زرت طيفها إلماما
خصه بالسلام مني فأخشى ... يمنعوها لشقوتي أن تناما
لكان أثقب لزند الصبابة بين الأحشاء، وأشد تغلغلا إلى الكبد الصديا من زلال الماء، مع حسن تأليف نظامه، والانتهاء بالمعنى إلى نهاية تمامه، فقال محمد: أحسنت يا ماني، ثم أمر مؤنسة بإلحاقهما بالبيتين الأولين والغناء بهما، ففعلت، ثم غنت بهذين البيتين:
يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما
ما مررنا بدار زينب إلا ... هتك الدمع سرنا المكتوما
فاستحسنه محمد، فقال ماني: لولا رهبة التعدي لأضفت إلى هذين البيتين بيتين لا يردان على سمع ذي لب فيصدران إلا عن استحسان لهما، فقال محمد: يا ماني، الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة دون كل رهبة، فهات ما عندك، فقال:
ظبية كالهلال لو تلحظ الصخر ... بطرف لغادرته هشيما
وإذا ما تبسمت خلت إيما ... ض بروق أو لؤلؤا منظوما
فقال: أحسنت يا ماني، فأجز هذا الشعر:
لم تطب اللذات إلا بمن ... طابت بها اللذات مأنوسه
غنت بصوت أطلقت عبرة ... كانت بسجن الصبر محبوسه
فقال ماني:
وكيف صبر النفوس عن غادة ... أظلمها إن قلت طاووسه
وجرت إن سميتها بانة ... في جنة الفردوس مغروسه
وغير عدل إن عدلنا بها ... جوهرة في البحر مغموسه
ثم سكت، فقال محمد: ما عدا في وصفه لها، فقال ماني:
جلت عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوسه
فقال محمد: أحسنت، فقالت مؤنسة: وجب شكرك يا ماني، فساعدك دهرك، وعطف علمك إلفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله يديم لنا ذلك ببقاء من به اجتمع شملنا، فقال لها ماني عند قولها: وعطف عليك إلفك! مجيبا:
ليس لي إلف فيعطفني ... فارقت نفسي الأباطيل
أنا موصول بنعمة من ... حبله بالمجد موصول
أنا مغبوط بنعمة من ... طبعه بالخير مأمول
فأومأ إليه ابن طالوت بالقيام، فنهض وهو يقول:
ملك قل النظير له ... زانه الغر البهاليل
طاهري في مواكبه ... عرفه في الناس مبذول
دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول
يا أبا العباس صن أدبا ... حده بالدهر مفلول
فقال محمد: وجب جزاؤك لشكرك على غير نعمة سبقت، ثم أقبل على ابن طالوت فقال: ليست خساسة المرء، ولا اتضاع الدهر، ولا نبو العين عن الظاهر بمذهب جوهرية الأدب المركب في الإنسان، وما أخطأ صالح بن عبد القدوس حيث يقول:
لا يعجبك من يصون ثيابه ... خوف الغبار وعرضه مبذول
فلربما افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول
قال ابن طالوت: فما رأيت أحضر ذهنا منه، إذ تقول الجارية: عطف عليك إلفك وإنشاده عند قولها ذلك:
ليس لي إلف فيعطفني ... فارقت نفسي الأباطيل
قال: فلم يزل محمد مجريا عليه رزقه حتى توفي.
المعتز وولاة العهد
صفحة ١١٣