مروج الذهب ومعادن الجوهر
وقد كان المستعين اعتقل المعتز والمؤيد حين انحدر إلى بغداد، ولم يأخذهما معه، وقد كان حذر من محمد بن الواثق حين انحداره فأخفه معه، ثم إنه هرب منه بعد في حال الحرب، فأجمع الموالي على إخراج المعتز والمبايعة له والانقياد إلى خلافته، ومحاربة المستعين وناصريه ببغداد، فأنزلوه من الموضع المعروف بلؤلؤة الجوسق، وكان معتقلا فيه مع أخيه المؤيد، فبايعوه، وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، وركب من غد ذلك اليوم إلى دار العامة، فأخذ البيعة على الناس، وخلع على أخيه المؤيد، وعقد له عقدين أسود وأبيض، فكان الأسود لولاية العهد بعده، والأبيض لولاية الحرمين وتقلدهما، وانبثت الكتب في سامرا بخلافة المعتز بالله إلى سائر الأمصار، وأرخت باسم جعفر بن محمد الكاتب، وأحدر أخاه أبا أحمد مع عدة من الموالي لحرب المستعين إلى بغداد، فنزل عليها، فكان أول حرب جرت بينهم ببغداد بين أصحاب المعتز والمستعين، وهرب محمد بن الواثق إلى المعتز بالله، ولم تزل الحرب بينهم وبين أهل بغداد للنصف من صفر من هذه السنة، فلما نشبت الحرب بينهم كانت أمور المعتز تقوى، وحالة المستعين تضعف، والفتنة عامة. فلما رأى محمد بن عبد الله بن طاهر ذلك كاتب المعتز وجنح إليه، ومال إلى الصلح على خلع المستعين، وقد كانت العامة ببغداد - حين علمت ما قد عزم عليه من خلع المستعين - ثارت منكرة لذلك، متحيزة إلى المستعين، ناصرة له، فأظهر محمد بن عبد الله المستعين على أعلى قصره، فخاطبته العامة وعليه البردة والقضيب، فأنكر ما بلغهم من خلعه، وشكر محمد بن عبد الله بن طاهر، ثم التقى محمد بن عبد الله بن طاهر وأبو أحمد الموفق بالشماسية، فاتفقا على خلع المستعين على أن له الأمان ولأهله وولده وما حوته أيديهم من أملاكهم، وعلى أنه ينزل مكة هو ومن شاء من أهله، وأن يقيم بواسطة العراق إلى وقت مسيره إلى مكة، فكتب له المعتز على نفسه شروطا أنه متى نقض شيئا من ذلك فالله ورسوله منه براء، والناس في حل من بيعته، وعهودا يطول ذكرها، وقد خذل المعتز بعد ذلك لمخالفتها حين عالج في نقضها، فخلع المستعين نفسه من الخلافة، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فكان له مذ وافى مدينة السلام إلى أن خلع سنة كاملة، وكانت خلافته - منذ تقلد الأمر على ما بيناه آنفا إلى أن زال عنه ملكه - ثلاث سنين وثمانية أشهر وثمانية عشر يوما على ما ذكرناه من الخلاف، وأحدر إلى دار الحسن بن وهب ببغداد، وجمع بينه وبين أهله وولده، ثم أحدر إلى واسط، وقد وكل به أحمد بن طولون التركي، وذلك قبل ولايته مصر، وعلم عجز محمد بن عبد الله بن طاهر عن قيامه بأمر المستعين حين استجار به وخذلانه إياه وميله إلى المعتز بالله، وفي ذلك يقول بعض شعراء العصر من أهل بغداد:
أطافت بنا الأتراك حولا مجرما ... وما برحت في جحرها أم عامر
أقامت على ذل بها ومهانة ... فلما بدت أبدت لنا لؤم غادر
ولم ترع حق المستعين فأصبحت ... تعين عليه حادثات المقادر
لقد جمعت لؤما وخبثا وذلة ... وأبقت لها عارا على آل طاهر
ولما كان من الأمر ما قدمناه من خلع المستعين انصرف أبو أحمد الموفق من بغداد إلى سامرا، فخلع عليه المعتز، وتوج، ووشح بوشاحين، وخلع على من كان معه من قواده، وقدم على المعتز عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أخو محمد بن عبد الله بالبرد والقضيب والسيف وبجوهر الخلافة، ومعه شاهك الخادم، وكتب محمد بن عبد الله إلى المعتز في شاهك: إن من أتاك بإرث رسول الله صلى الله عليه وسلم لجدير أن لا تخفر ذمته.
وخلع المستعين وعلى وزارته أحمد بن صالح بن شيراذاد.
موت المستعين
ولما كان في شهر رمضان من هذه السنة - وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين - بعث المعتز بالله سعيد بن صالح الحاجب ليلقى المستعين، وقد كان في جملة من حمله من واسط، فلقيه سعيد وقد قرب من سامرا فقتله واحتز رأسه وحمله إلى المعتز بالله، وترك جثته ملقاة على الطريق حتى تولى دفنها جماعة من العامة.
وكانت وفاة المستعين بالله يوم الأربعاء لست خلون من شوال سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، على ما قدمنا في صدر هذا الباب.
وذكر شاهك الخادم قال: كنت عديلا للمستعين عند إشخاص المعتز له إلى سامرا، ونحن في عمارية، فلما وصل إلى القاطول تلقاه جيش كثير، فقال: يا شاهك أنظر من رئيس القوم؟ فإن كان سعيد الحاجب فقد هلكت، فلما عاينته قلت: هو والله سعيد، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت والله نفسي، وجعل يبكي، فلما قرب سعيد منه جعل يقنعه بالسوط، ثم أضجعه وقعد على صدره واحتز رأسه، وحمله على ما ذكرنا، واستقامت الأمور للمعتز، واجتمعت الكلمة عليه.
وللمستعين أخبار غير ما ذكرناه في هذا الكتاب، وأوردناه في هذا الباب، وقد أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما ذكرنا ما أوردنا في هذا الكتاب لئلا يتوهم أنا أغفلنا ذكرها أو عزب عنا فهمها، فإنا بحمد الله لم نترك شيئا من أخبار الناس وسيرهم وما جرى في أيامهم إلا وقد ذكرناه، وأوردنا في كتبنا أحسنه، وفوق كل في علم عليم، والله الموفق للصواب.
ذكر خلافة المعتز بالله
صفحة ١٠٩