مروج الذهب ومعادن الجوهر
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد فكل قال: وأكثر الخطب في ذلك، فقال المنتصر لصالح بن محمد الحريري: يا صالح، هل عشقت قط. قال: إي والله أيها الأمير، وإن بقايا ذلك لفي صدري قال: ويلك لمن؟ قال: أيها الأمير، كنت ألف الرصافة في أيام المعتصم. وكانت لقينة أم ولد الرشيد جارية تخرج في حوائجها وتقوم في أمرها، وتلقى الناس عنها، وكانت قينة تتولى أمر القصر إذ ذاك، وكانت الجارية تمر بي فأحتشمها وأعاينها، ثم راسلتها فطردت رسولي وهددتني، وكنت أقعد على طريقها لأكلمها، فإذا رأتني ضحكت وغمزت الجواري بالعبث بي والهزء، ثم فارقتها وفي قلبي منها نار لا تخمد وغليل لا يبرد ووجد يتجمد فقال له المنتصر: فهل لك أن أحضرها وأزوجكها إن كانت حرة أو أشتريها إن كانت أمة؟ فقال: والله أيها الأمير إن بي إلى ذلك أعظم الفاقة وأشد الحاجة، قال: فدعا المنتصر بأحمد بن الخصيب وسأله أن يوجه له في ذلك غلاما من غلمانه منفردا ويكتب معه كتابا مؤكدا إلى إبراهيم بن إسحاق وصالح الخادم المتولى لأمر الحرم بمدينة السلام، فمضى الرسول وقد كانت قينة أعتقتها وخرجت من حد الجواري إلى حد النساء البوالغ، فحملها إلى المنتصر، فلما حضرت نظرت إليها، فإذا عجوز قد حدبت وعنست وبها بقية من الجمال، فقال لها: أتحبين أن أزوجك. قالت: إنما أنا أمتك أيها الأمير ومولاتك، فافعل ما بدا لك، فأحضر صالحا وأملكه بها وأمهرها؟ ثم مزح به فأحضر جوزا مرصصا وفركا مخلقا فنشره عليه، وأقامت مع صالح مدة طويلة، ثم ملها ففارقها، وقال يعقوب التمار في ذلك:
منح الله أبا الفضل حياة لا تنغص
وتولاه فقد با ... لغ في الحب وأخلص
عاشقا كان على التز ... ويج للعقد تحرص
من هوى من شعرها يخضب بالحنا المعفص
فتراه عندما ينصل كالبرد المحرص
فهي من أملح خلق الله في التاج المفصص
رزق الصبر عليها فتأتى وتربص
شيخة هام بها من ... وجلى شيخ مقرفص
قرنصت في عهد نوح ... صاحب الفلك وقرنص
أي حظ نال لولا الفرك والجوز المرصص
ليته قد جعل الأمر إليها وتخلص
فأبو الجوزان منها ... حين يدنو يتقلص
صنيعه مع عاشق
صفحة ٩٩