568

وكان آل أبي طالب قبل خلافته في محنة عظيمة، وخوف على دمائهم، قد منعوا زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة، وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد، وكان الأمر بذلك من المتوكل سنة ست وثلاثين ومائتين وفيها أمر المعروف بالذيريج بالسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهدمه ومحو أرضه وإزالة أثره، وأن يعاقب من وجد به، فبذل الرغائب لمن تقدم على هذا القبر، فكل خشي العقوبة، وأحجم، فتناول الذيريج مسحاة وهدم أعالي قبر الحسين، فحينئذ أقدم الفعلة فيه، وأنهم انتهوا إلى الحفرة وموضع اللحد فلم يروا فيه أثر رمة ولا غيرها، ولم تزل الأمور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر، فأمن الناس، وتقدم بالكف عن آل أبي طالب، وترك البحث عن أخبارهم، وأن لا يمنع أحد زيارة الحيرة لقبر الحسين رضي الله تعالى عنه، ولا قبر غيره من آل أبي طالب، وأمر برد فدك إلى ولد الحسن والحسين، وأطلق أوقاف آل أبي طالب، وترك التعرض لشيعتهم ودفع الأذى عنهم، وفي ذلك يقول البحتري من أبيات له:

وإن عليا لأولى بكم ... وأزكى يدا عندكم من عمر

وكل له فضله، والحجو ... ل يوم التراهن دون الغرر

وفي ذلك يقول يزيد بن محمد المهلبي - وكان من شيعة آل أبي طالب - وما كان امتحن به الشيعة في ذلك الوقت وأغريت بهم العامة:

ولقد بررت الطالبية بعدما ... ذموا زمانا بعدها وزمانا

ورعدت ألفة هاشم، فرأيتهم ... بعد العداوة بينهم إخوانا

آنست ليلهم وجدت عليهم ... حتى نسوا الأحقاد والأضغانا

لو يعلم الأسلاف كيف بررتهم ... لرأوك أثقل من بها ميزانا

خلع أخويه من ولاية العهد

وفي سنة ثمان وأربعين ومائتين خلع المنتصر بالله أخويه المعتز وإبراهيم من ولاية العهد بعده، وقد كان المتوكل على الله أخذ لهم العهد في كتب كتبها وشروط اشترطها، وأفرد لكل واحد منهم جزءا، من الأعمال رسمه له وجعل ولي عهده والتالي لملكه محمدا المنتصر، وتالي المنتصر وولي عهده المعتز، وتالي المعتز وولي عهده إبراهيم المؤيد، وأخذت البيعة على الناس بما ذكرنا، وفرق فيها أموالا وعم الناس بالجوائز والصلات، وتكلمت في ذلك الخطباء، ونطقت به الشعراء، فمما اختير من قولهم في ذلك قول مروان أبي الجنوب من قصيدة:

ثلاثة أملاك؛ فأما محمد ... فنور هدى يهدي به الله من يهدي

وأما أبو عبد الإله فإنه ... شبيهك في التقوى ويجدي كما تجدي

وذو الفضل إبراهيم للناس عصمة ... تقي وفي بالوعيد، وبالوعد

فأولهم نور، وثانيهم هدى، ... وثالثهم رشد، وكلهم مهدي

وقوله للمتوكل مما أجاد فيه وأحسن:

يا عاشر الخلفاء دمت ممتعا ... بالملك تعقد بعدهم للعاشر

حتى تكون إمامهم وكأنهم ... زهر النجوم دنت لبدر زاهر

وفي بيعة المتوكل لمن ذكرنا من ولمه الثلاثة بولاية العهد يقول الشاعر المعروف بالسلمي من أبيات له:

لقد شد ركن الدين بالبيعة الرضا ... وطائر سعد جعفر بن محمد

بمنتصر بالله أثبت ركنه ... وأكد بالمعتز قبل المؤيد

وممن قال في ذلك فأحسن القول، وأجاد النظم، إدريس بن أبي حفصة حيث يقول:

إن الخلافة ما لها عن جعفر ... نور الهدى وبنيه من تحويل

فإذا قضى منها الخليفة جعفر ... وطرا، ومل وليس بالمملول

فمحمد بعد الخليفة جعفرللناس لا فقدوه خير بديل

فبقاء ملكك وانتظار محمد ... خير لنا وله من التعجيل

خروج الشاري باليمن

صفحة ٩٧