563

وكانت أيام المتوكل في حسنها ونضارتها ورفاهية العيش بها وحمد الخاص والعام لها ورضاهم عنها أيام سراء لا ضراء، كما قال بعضهم: كانت خلافة المتوكل أحسن من أمن السبيل، ورخص السعر، وأماني الحب، وأيام الشباب؟ وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:

قربك أشهى موقعا عندنا ... من لين السعر وأمن السبيل

ومن ليالي الحب موصولة ... بطيب أيام الشباب الجميل

قال المسعودي: وقد قيل: إنه لم تكن النفقات في عصر من الأعصار ولا وقت من الأوقات مثلها في أيام المتوكل.

ويقال: إنه أنفق على الهاروني والجوسق الجعفري أكثر من مائة ألف ألف درهم، هذا مع كثرة الموالي والجند والشاكرية ودرور العطاء لهم وجليل ما كانوا يقبضونه في كل شهر من الجوائز والهبات.

ويقال: إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئهن كلهن، ومات وفي بيوت الأموال أربعة آلاف ألف دينار وسبعة آلاف ألف درهم، ولا يعلم أحد في صناعته في جد ولا هزل إلا وقد حظي في دولته، وسعد بأيامه، ووصل إليه نصيب وافر من ماله.

الحسين الخليع بين يدي المتوكل

وذكر محمد بن أبي عون قال: حضرت مجلس المتوكل على الله في يوم نيروز، وعنده محمد بن عبد الله بن طاهر، وبين يديه الحسين بن الضحاك الخليع الشاعر، فغمز المتوكل خادما على رأسه حسن الصورة أن يسقي الحسين كأسا ويحييه بتفاحة عنبر، ففعل ذلك، ثم التفت إلى الحسين فقال: قل فيه أبياتا، فأنشأ يقول:

وكالدرة البيضاء حيا بعنبر ... من الورد يسعى في قراطق كالورد

له عبثات عند كل تحية ... بعينيه تستدعي الخلي إلى الوجد

تمنيت أن أسقى بكفيه شربة ... تذكرني ما قد نسيت من العهد

سقى الله دهرا لم أبت فيه ساعة ... من الليل إلا من حبيب على وعد

قال المتوكل: أحسنت والله، يعطى لكل بيت مائة دينار، فقال محمد بن عبد الله: ولقد أجاب فأسرع، وذكر فأوجع، ولولا أن يد أمير المؤمنين لا تطاولها يد لأجزلت له العطاء ولو بالطرف والتالد، فقال المتوكل عند ذلك: يعطى لكل بيت ألف دينار.

قال: ويروى أنه لما أتي بمحمد بن المغيث إلى المتوكل وقد دعا له بالنطع والسيف، قال له: يا محمد ما دعاك إلى المشاقة؟ قال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت ظل الله الممدود بينه وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو عن عبدك، وأنشأ يقول:

أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والعفو بالحر أجمل

وهل أنا إلاجبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجمل

تضاءل ذنبي عند عفوك قلة ... فمن لي منك والمن أفضل

لأنك خير السابقين إلى العلا ... وإنك خير الفعلتين ستفعل

فقال المتوكل: أفعل خيرهما، وأمن عليك، ارجع إلى منزلك، قال ابن المغيث: يا أمير المؤمنين، الله أعلم حيث يجعل رسالته.

من رثاء المتوكل

ولما قتل المتوكل رثته الشعراء؛ فمن رثاه علي بن الجهم، فقال من قصيدة له:

عبيد أمير المؤمنين قتلنه ... وأعظم آفات الملوك عبيدها

بني هاشم، صبرا فكل مصيبة ... سيبلى على وجه الزمان جديدها

وفيه يقول يزيد بن محمد المهلبي من قصيدة طويلة:

جاءت منيته والعين هاجعة ... هلا أتته المنايا والقنا قصد

علتك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصمد

خليفة لم ينل ما ناله أحد ... ولم يضع مثله روح ولا جسد

وفيه يقول بعض الشعراء:

سرت ليلا منيته إليه ... وقد خلى منادمه وناما

فقالت: قم، فقام، وكم أقامت ... أخا ملك إلى هلك فقاما

وفيه يقول الحسين بن الضحاك الخليع:

إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان

أما رأيت خطوب الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان

محبوبة جارية المتوكل

صفحة ٩٢