مروج الذهب ومعادن الجوهر
وكانت وفاة أبي موسى الفراء سنة ست وعشرين ومائتين، وكان من شيوخ العدلية وكبار المتكلمين من البغداديين، ومات واصل بن عطاء - ويكنى بأبي حذيفة - في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وهو شيخ المعتزلة وقديمها، وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق من أهل الملة ليس بمؤمن ولا كافر، وبه سميت المعتزلة، وهو الاعتزال، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار بني أمية قول المعتزلة في الأصول الخمسة، فأغنى ذلك عن إعادته، وكذلك فيما سلف من كتبنا على الشرح والإيضاح، وقد بينا فيما سلف من هذا الكتاب خبر عمرو بن عبيد ووفاته، وكان شيخ المعتزلة والمقدم فيها، وأن وفاته كانت سنة أربع وأربعين ومائة، وقد كان عمرو بن عبيد اجتمع مع هشام بن الحكم، وهشام يذهب إلى القول بأن الإمامة نص من الله ورسوله على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وعلى من يلي عصره من ولده الطاهرين كالحسن والحسين، ومن يلي أيامهم، وعمرو يذهب إلى أن الإمامة اختيار من الأمة في سائر الأعصار فقال هشام لعمرو بن عبيد: لم خلق الله لك عينين؟ قال: لأنظر بهما إلى ما خلق الله من السموات والأرض وغير ذلك فيكون ذلك دليلا لي عليه، فقال هشام: فلم خلق الله لك سمعا؟ قال: لأسمع به التحليل والتحريم والأمر والنهي، فقال له هشام: لم خلق الله لك لسانا؟ فقال عمرو: لأعبر به عما في قلبي وأخاطب به من افترض علي أمره ونهيه، قال هشام: فلم خلق الله لك قلبا؟ قال عمرو: لتكون هذه الحواس مؤدية إليه فيكون مميزا بين منافعها ومضارها، قال هشام: فكان يجوز أن يخلق الله سائر حواسك ولا يخلق لك قلبا تؤدي هذه الحواس إليه. قال عمرو: لا، فقال هشام: ولم. قال: لأن القلب باعث لهذه الحواس على ما يصبح له، فلو لم يخلق الله فيها انبعاثا من نفسها استحال أن لا يخلق لها باعثا يبعثها على ما خلقت له إلا بخلق القلب، فيكون هو الباعث لها على ما تفعله، والمميز لها بين مضارها ومنافعها، ويكون الإمام من الخلق بمنزلة القلب من سائر الحواس إذ كانت الحواس راجعة إلى القلب لا إلى غيره، ويكون سائر الخلق راجعين إلى الإمام لا إلى غيره، فلم يأت عمرو بفرق يعرف. وهذا الذي حكيناه ذكره أبو عيسى محمد بن هارون الوراق ببغداد في كتابه المعروف بكتاب المجالس، وكانت وفاة أبي عيسى ببغداد في الجانب الغربي في الموضع المعروف بالرملة سنة سبع وأربعين ومائتين، وله تصنيفات حسان كثيرة منها كتابة في المقالات في الإمامة وغيرها من النظر.
ابن الراوندي
وكانت وفاة أبي الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندى برحبة مالك بن طوق، وقيل: ببغداد سنة خمس ومائتين، وله نحو من أربعين سنة، وله كتب مصنفة مائة كتاب وأربعة عشر كتابا.
وقد ذكرنا في كتابنا في أخبار الزمان وفاة أرباب المقالات وأهل المذاهب والجدل والآراء والنحل، وأخبارهم ومناظراتهم وتباينهم في مذاهبهم وكذلك في الكتاب الأوسط، إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وإنما يسنح لنا ذكر بعضهم في هذا الكتاب فنذكر لهم لمعا، وكذلك غيرهم من الفقهاء وأصحاب الحديث.
وفاة الصولي الكاتب
وفيها مات إبراهيم بن العباس الصولي، الكاتب، وكان كاتبا بليغا، وشاعرا مجيدا، لا يعلم فيمن تقم وتأخر من الكتاب أشعر منه، وكان يكتسب في حداثته بشعره، ورحل إلى الملوك والأمراء ومدحهم طلبا لجدواهم.
وذكر رجل من الكتاب أن إسحاق بن إبراهيم أخا زيد بن إبراهيم حدثه أنه كان يتقلد الصيمرة والسيروان، وأن إبراهيم بن العباس اجتاز به يريد خراسان، والمأمون بها، وقد بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضا، وقد امتدحه بشعر يذكر فيه فضل آل علي وأنهم أحق بالخلافة من غيرهم، قال: فاستحسنت القصيدة وسألته أن ينسخها لي، ففعل، ووهبت له ألف درهم، وحملته على دابة، وضرب الدهر من ضربه إلى أن ولي ديوان الضياع مكان موسى بن عبد الملك، وكنت أحد عمال موسى، وكان يحب أن يكشف أسباب موسى، فعزلني، وأمر أن تعمل مؤامرة فعملت، وكثر علي فيها، وحضرت للمناظرة عنها، فجعلت أحتج بما لا يدفع، فلا يقيله، ويحكم لي الكتاب فلا يلتفت إلى حكمهم، ويسمعني في خلال ذلك قذعا من الكلام إلى أن أوجب علي الكتاب اليمين على باب من الأبواب فحلفت عليه فقال: ليست يمين السلطان عندك يمينا لأنك رافضي، فقلت له: تأذن لي في الدنو منك؟ فأذن لي، فقلت له: ليس مع تعرضك بمهجتي للقتل صبر، وهاهو المتوكل إن كاتبت إليه بما أسمع منك لم آمنه على نفسي، وقد احتملت كل شيء إلا الرفض.
والرافضي: من زعم أن علي بن أبي طالب أفضل من العباس، وأن ولده أحق من ولد العباس بالخلافة، قال: ومن قال ذلك. قلت: أنت وخطك عندي به، وأخبرته بالشعر، فوالله ما هو إلا أن قلت ذلك له حتى سقط في يده، ثم قال: أحضر الدفتر الذي بخطي، فقلت له: هيهات!! لا والله أو توثق لي بما أسكن إليه أنك لا تطالبني بشيء مما جرى على يدي، وتخرق هذه المؤامرة، ولا تنظر لي في حساب، فحلف لي على ذلك بما سكنت إليه، وخرق العمل المعمول، وأحضرته الدفتر، فوضعه في خفه، وانصرفت وقد زالت عني المطالبة.
ولإبراهيم بن العباس مكاتبات قد دونت، وفصول حسان من كلامه قد جمعت، وقد أتينا على كثير منها في الكتاب الأوسط، فما استحسن من فصوله وإن كانت كلها في نهاية الجودة وانتخبناه من كلامه: وقديما غذت المعصية أبناءها فحلبت عليهم من درها مرضعة، وبسطت لهم من أمانيها مطمعة، وركبت فيهم مخاطرها موضعة، حتى إذا رتعوا فأمنوا، وركبوا فاطمأنوا، وانقضى رضاع وآن فطام، سقتهم سما، ففجرت مجاري ألبانها منها دما، وأعقبتهم من غذائها مرا، وحطت بهم من معقل إلى عقال، ومن عز إلى حسرة، قتلا وأسرا، وإباحة وقسرا، وقل من أوضع في الفتنة مرهجا في لهبها ومقتحما عند ضلالها إلا استقحمته آخذة بمخنقه، وموهنة بالحق كيده، حتى تجعله لعاجله جزرا، ولآجله حطبا، وللحق موعظة، وللباطل حجة، ذلك لهم جزاء في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر وما ربك بظلام للعبيد.
وله أشعار حسان، فمما استحسن من شعره الذي لم يسبقه عند جماعة أهل الأدب أحد من زمانه قوله:
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها
فمن عونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن يستدم دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأهون خطب في الحقوق فناؤها
وقوله: ولكن الجواد أبا هشام ... وفي الغيب مأمون المغيب
صفحة ٨٤