526

إذا النار في أحجارها مستكنة ... متى ما يهجها قادح تتضرم وكان رجل من ولد العباس بن علي بن أبي طالب فو مال وثروة وعز ومنعة وفهم وبلاغة، وهو العباس العلوي، بمدينة السلام، وكان المعتصم يشنؤه لحال كانت بينهما، فمكن في نفس المأمون أنه شانئ له ولدولته، ماقت لأيامه، فلما كان في تلك الليلة لحق العباس بالمأمون على الجسر فقال له المأمون: ما زلت تنتظرها حتى وقعت، فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ولكني ذكرت قول الله عز وجل " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يركبوا بأنفسهم عن نفسه " هذه فحسن موقع ذلك منه، ولم يزل يسايره حتى بلغ المطبق، فلما قتل ابن عائشة قال: يأذن أمير المؤمنين في الكلام. قال: تكلم، قال : الله الله في الدماء، فإن الملك إذا ضري بها لم يصبر عنها، ولم يبق على أحد، قال: لو سمعت هذا الكلام منك قبل أن أركب ما ركبت ولا سفكت دما، وأمر له بثلاثمائة ألف درهم.

وقد أتينا على خبر ابن عائشة هذا، وما أراد من الإيقاع بالمأمون، وما كان من أمره في كتابنا شي أخبار الزمان.

موت أبي عبيدة معمر بن المثنى

وفي سنة إحدى عشرة ومائتين عات أبو عبيدة معمر بن المثنى بالبصرة، وكان يرى رأي الخوارج، وبلغ نحوا من مائة سنة، ولم يحضر جنازته أحد من الناس، حتى أكترى لها من يحملها، ولم يكن يسلم عليه شريف ولا وضيع إلا تكلم فيه، وله مصنفات حسان في أيام العرب وغيرها: منها كتاب المثالب، ويذكر فيه أنصاب العرب وفسادها، ويرميهم بما تسيء الناس ذكره، ولا يحسن وصفه، وكان أبو نواس الحسن بن هانئ كثير العبث به، وكان أبو عبيدة يقعد في مسجد البصرة إلى سارية من سوارية، فكتب أبو نواس عليها في غيبته عنها بهذين البيتين يعرض به:

صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا

وأنت عندي بلا شك يقيتهم ... مذ احتلمت وقد جاوزت تسعينا

فلما جاء أبو عبيدة ليجلس في مجلسه ويستند على تلك السارية رأى ذلك، فقال: هذا فعل الماجن اللواط أبي نواس، حكوه وإن كان فيه صلاة على نبي.

موت أبي العتاهي وشيء من أخباره

وفي هذه السنة - وهي سنة إحدى عشرة ومائتين - مات أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم، الشاعر، متنسكا لابسا للصوف، وكان له مع الرشيد أخبار حسان: من ذلك ما قدمنا ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ومنها أن الرشيد أمر ذات يوم بحمله إليه، وأمر أن لا يكلم في طريقه، ولا يعلم ما يراد منه، فلما صار في بعض الطريق كتب له بعض من معه في الطريق: إنما يراد قتلك، فقال أبو العتاهية من فوره:

ولعل ما تخشاه ليس بكائن ... ولعل ما ترجوه سوف يكون

ولعل ما هونت ليس بهين ... ولعل ما شددت سوف يهون

وحج في بعض الحجج مع الرشيد، فنزل الرشيد يوما عن راحلته، ومشى ساعة، ثم أعيا، فقال: هل لك يا أبا العتاهية أن تستند إلى هذا الميل؟ فلما قعد الرشيد أقبل على أبي العتاهية وقال له: يا أبا العتاهية، حركنا، فقال:

هب الدنيا تواتيكا ... أليس الموت يأتيكا؟

ألا يا طالب الدنيا ... دع الدنيا لشانيكا

وما تصنع بالدنيا ... وظل الميل يكفيكا

ولأبي العتاهية أخبار وأشعار كثيرة حسان، قد قدمنا فيما سلف من كتبنا جملا مما اختير من شعره وما انتخب من قوافيه، وكذلك قدمنا من ذلك لمعا فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار خلفاء بني العباس، ومما استحسن من ذلك قوله:

أحمد قال لي ولم يدر ما بي: ... أتحب الغداة عشية حقا؟

فتنفست ثم قلت: نعم حبا جرى في العروق عرقا فعرقا

ليتني مت فاسترحت فإني ... أبدا ما حييت منها ملقى

لا أراني أبقى ومن يلق ما لا ... قيت من لوعة الجوى ليس يبقى

فاحتسب صحبتي، وقل: رحمة الله على صاحب لنا مات عشقا

أنا عبد لها وإن كنت لا أر ... زق منها والحمد لله عتقا

ومما استحسن من شعره أيضا قوله:

يا عتب مالي ولك ... يا ليتني لم أرك

صفحة ٥٢