521

وحدث ثمامة بن أشرس قال: شهدت مجلسا للمأمون وقد أتى برجل ادعى أنه إبراهيم الخليل، فقال له المأمون: ما سمعت بأجرأ على الله من هذا قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في كلامه، قال: شأنك وإياه، قلت: يا هذا إن إبراهيم عليه السلام كانت له براهين، قال: وما براهينه ؟ قلت: أضرمت له النار وألقي فيها فكانت بردا وسلاما، فنحن نضرم لك نارا ونطرحك فيها فإن كانت عليك بردا وسلاما كما كانت عليه آمنا بك وصدقناك، قال: هات ما هو ألين علي من هذا، قلت: فبراهين موسى عليه السلام، قال: وما هي؟ قلت: ألقى العصا فإذا هي حية تسعى تلقف، ما يأفكون، وضرب بها البحر فانفلق، وبياض يده من غير سوء، قال: هذا أصعب، ولكن هات ما هو ألين علي من هذا قلت: فبراهين عيسى عليه السلام، قال: وما براهينه؟ قلت: إحياء الموتى، فقطع الكلام في براهين عيسى وقال: جئت بالطامة الكبرى، دعني من براهين هذا، قلت: فلا بد من براهين، قال: ما معي من هذا شيء، وقد قلت لجبريل إنكم توجهونني إلى شياطين فأعطوني حجة أذهب بها وإلا لم أذهب، فغضب جبريل عليه السلام علي، وقال: جئت بالشر من ساعة، اذهب أولا فانظر ما يقول لك القوم، فضحك المأمون وقال: هذا من الأنبياء التي تصلح للمنادمة. وفي سنة ثمان وتسعين ومائة خلع المأمون أخاه القاسم بن الرشيد من ولاية العهد.

خروج أبي السرايا وابن طباطبا وقوم من العلويين

وفي سنة تسع وتسعين ومائة خرج أبو السرايا السري بن منصور الشيباني بالعراق، واشتد أمره، ومعه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو ابن طباطبا، ووثب بالمدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن على رحمهم الله، ووثب بالبصرة علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسن بن علي عليهم السلام، وزيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، فغلبوا على البصرة.

وفي هذه السنة مات ابن طباطبا الذي كان يدعو إليه أبو السرايا، وأقام أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.

وظهر في هذه السنة باليمن - وهي سنة تسع وتسعين ومائة - إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، وظهر في أيام المأمون بمكة ونواحي الحجاز محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رحمهم الله، وذلك في سنة مائتين، ودعا لنفسه، وإليه دعت السبطية من فرق الشيعة وقالت بإمامته، وقد افترقوا فرقا: فمنهم من غلا، ومنهم من قصر، وسلك طريق الإمامية، وقد ذكرنا في كتاب المقالات في أصول الديانات وفي كتاب أخبار الزمان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداترة، في الفن الثلاثين من أخبار خلفاء بني العباس ومن ظهر في أيامهم من الطالبيين، وقيل: إن محمد بن جعفر هذا دعا في بدء أمره وعنفوان شبابه إلى محمد بن إبراهيم بن طباطبا صاحب أبي السرايا، فلما مات ابن طباطبا - وهو محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن - دعا لنفسه، وتسمى بأمير المؤمنين، وليس في آل محمد ممن ظهر لإقامة الحق ممن سلف وخلف قبله وبعده من تسمى بأمير المؤمنين غير محمد بن جعفر هذا، وكان يسمى بالديباجة، لحسنه وبهائه، وما كان عليه من البهاء والكمال، وكان له بمكة ونواحيها قصص حمل فيها إلى المأمون بخراسان، والمأمون يومئذ بمرو، فأمنه المأمون، وحمله معه إلى جرجان فلما صار المأمون مات محمد بن جعفر، فدفن بها، وقد أتينا على كيفية وفاته وما كان من أمره وغيره مم آل أبي طالب ومقاتلهم ببقاع الأرض في كتابنا حدائق الأذهان في أخبار آل أبي طالب ومقاتلهم في بقاع الأرض.

ظهور ابن الأفطس

وظهر في أيام المأمون أيضا بالمدينة الحسين بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي، وهو المعروف بابن الأفطس، وقيل: إنه دعا في بدء أمره إلى ابن طباطبا، فلما مات ابن طباطبا دعا إلى نفسه والقول بإمامته وسار إلى مكة فأتى الناس وهم بمنى، وعلى الحاج داود بن عيسى بن موسى الهاشمي، فهرب داود، ومضى الناس إلى عرفة، ودفعوا إلى مزدلفة بغير إنسان عليهم من ولد العباس، وقد كان ابن الأفطس وافى الموقف بالليل، ثم صار إلى المزدلفة والناس بغير إمام، فصلى بالناس، ثم مضى إلى منى، فنحر ودخل مكة، وجرد البيت مما عليه من الكسوة إلا القباطي البيض فقط.

الظفر بأبي السرايا

وفي سنة مائتين ظفر حماد المعروف بالكندغوش بأبي السرايا، فأتى به الحسن بن سهل، فقتله وصلبه على الجسر ببغداد، وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان على خبر أبي السرايا وخروجه وما كان منه في خروجه وقتله عبدوس بن محمد بن أبي خالد ومن كان معه من قواد الأبناء واستباحته عسكره.

قال المسعودي: وفي سنة مائتين بعث المأمون برجاء بن أبي الضحاك وياسر الخادم إلى علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الرضا لإشخاصه، فحمل إليه مكرما، وفيها أمر المأمون بإحصاء ولد العباس من رجالهم ونسائهم وصغيرهم وكبيرهم، فكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفا.

المأمون وعلي بن موسى الرضا

صفحة ٤٧