وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يَفِرُّوا، وَرُبَّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ، وَبَايَعَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، كَمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَبَايَعَهُمْ عَلَى الهجرة، وَبَايَعَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْتِزَامِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وبايع نفرا من أصحابه على أن لا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا، وَكَانَ السَّوْطُ يَسْقُطُ مِنْ يد أحدهم، فينزل له فَيَأْخُذُهُ، وَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ: نَاوِلْنِي إِيَّاهُ.
وَكَانَ يشاور أصحابه في الجهاد، ولقاء العدو، وتخيّر المنازل، وَكَانَ يَتَخَلَّفُ فِي سَاقَتِهِمْ فِي الْمَسِيرِ، فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وَيُرْدِفُ الْمُنْقَطِعَ، وَكَانَ أَرْفَقَ النَّاسِ بِهِمْ في المسير، وإذا أراد غزوة، ورّى بغيرها ويقول: «الحرب خدعة»، وكان يبعث العيون يأتون بخبر عدوه، ويطلع الطلائع، ويبث الحرس، وإذا لَقِيَ عَدُوَّهُ، وَقَفَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ اللَّهَ، وَأَكْثَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَخَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ.
وكان يرقب الْجَيْشَ وَالْمُقَاتِلَةَ، وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ جَنَبَةٍ كُفْئًا لَهَا، وَكَانَ يُبَارَزُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ يَلْبَسُ لِلْحَرْبِ عُدَّتَهُ، وَرُبَّمَا ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وكان له ألوية، وكان إذا ظهر على قوم، نزل بِعَرْصَتِهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَفَلَ.
وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغِيرَ، انْتَظَرَ، فَإِنْ سَمِعَ فِي الْحَيِّ أذانا، لم يغر وإلا أغار، وكان ربما يبيّت عَدُوَّهُ، وَرُبَّمَا فَاجَأَهُمْ نَهَارًا، وَكَانَ يُحِبُّ الْخُرُوجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بُكْرَةَ النَّهَارِ، وَكَانَ الْعَسْكَرُ إِذَا نزل انضم بعضهم إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى لَوْ بُسط عَلَيْهِمْ كِسَاءٌ لعمهم.
وكان يرتب الصفوف، ويُعبئُهم للقتال، وَيَقُولُ: تَقَدَّمْ يَا فُلَانُ، تَأَخَّرْ يَا فُلَانُ، وكان يستحب للرجل أَنْ يُقَاتِلَ تَحْتَ رَايَةِ قَوْمِهِ.