مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة
محقق
سيد إبراهيم
الناشر
دار الحديث
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مكان النشر
القاهرة - مصر
مناطق
•لبنان
الإمبراطوريات و العصور
المماليك (مصر، سوريا)، ٦٤٨-٦٩٢ / ١٢٥٠-١٥١٧
يَكُونُ خَلْقُ اللَّهِ مَجَازًا، أَوْ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْمَجَازَ فِي النِّسْبَةِ، كَأَنْبَتَ الْمَاءُ الْبَقْلَ، فَأَضَافَ الْإِنْبَاتَ إِلَى الْمَاءِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهَذِهِ النِّسْبَةُ فِي قَوْلِنَا خَلَقَ اللَّهُ أَصْدَقَ النِّسَبِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي إِنْ كَانَتْ مَجَازًا لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ نِسْبَةُ حَقِيقَةٍ الْبَتَّةَ، لَا فِي الْقَدِيمِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَعْلُومَاتِ أَظْهَرُ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ خَالِقًا، وَلِهَذَا أَقَرَّتْ بِهِ جَمِيعُ الْأُمَمِ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَلِظُهُورِ ذَلِكَ، وَكَوْنِ الْعِلْمِ بِهِ بَدِيهِيًّا فِطْرِيًّا، احْتَجَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ فِي عِبَادَتِهِ، فَقَالَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَعَلِمَ أَنَّ كَوْنَهُ سُبْحَانَهُ خَالِقًا مِنْ أَظْهَرِ شَيْءٍ عِنْدَ الْعُقُولِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْخَبَرُ عَنْهُ بِذَلِكَ مَجَازًا، وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ حَقِيقَةٍ، فَجَمِيعُ الْحَقَائِقِ تَنْتَهِي إِلَى خَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ، فَهُوَ الَّذِي خَلَقَ وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] فَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ انْتَهَتْ إِلَى خَلْقِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَوْنُهُ خَالِقًا عَالِمًا مَجَازًا؟ وَإِذَا كَانَ كَوْنُهُ خَالِقًا عَالِمًا مَجَازًا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِعْلٌ حَقِيقَةً وَلَا اسْمٌ حَقِيقَةً، فَصَارَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَجَازَاتٍ، وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى كُلُّهَا مَجَازَاتٍ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بِذَلِكَ خَلْقُ أَفْعَالِنَا، وَلَوْ كَانَ خَالِقًا حَقِيقَةً لَا مَحَالَةَ لَكَانَ خَالِقًا لِلْكُفْرِ وَالْعُدْوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْعَالِنَا.
كَلَامٌ بَاطِلٌ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِهِ الْقَدَرِيَّةِ وَعَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ عَلَى أُصُولِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ الْخَالِقُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، بَلْ وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ وَجَمِيعُ الْمِلَلِ.
وَأَمَّا إِخْوَانُهُ الْقَدَرِيَّةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ غَيْرُ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْحَيَوَانِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا مَجَازًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] بَلْ لَمْ تَدْخُلْ عِنْدَهُمْ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وَإِنْ دَخَلَتْ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِالْعَقْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فَإِنِ ادَّعَوُا الْمَجَازَ فَهُمْ يَدَّعُونَهُ فِي مِثْلِ هَذَا
1 / 346