المحلى
محقق
عبد الغفار سليمان البنداري
الناشر
دار الفكر
مكان النشر
بيروت
تصانيف
•الفقه الظاهري
مناطق
•إسبانيا
الإمبراطوريات و العصور
ملوك الطوائف (وسط وجنوب إسبانيا)، القرن الخامس / القرن الحادي عشر
فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَقَدْ حَرُمَ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَاء مُسْتَعْمَلًا، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَصُبَّ مِنْهُ عَلَى يَدِهِ، فَإِذَا وَضَّأَهَا أَدْخَلَهَا حِينَئِذٍ فِي الْإِنَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَهْيِهِ الْجُنُبَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالُوا: إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَهُمْ: بَلْ مَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ ﵇ إلَّا خَوْفَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ إحْلِيلِهِ شَيْءٌ يُنَجِّسُ الْمَاءَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِهِ، وَمِنْ أَنْ نُقَوِّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ، وَأَنْ نُخْبِرَ عَنْهُ مَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا فَعَلَهُ، فَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ فَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ، وَقَدْ قَالَ ﷿: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَلَا بُدَّ لِمَنْ قَالَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ مِنْ إحْدَى هَاتَيْنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ لِلْمُتَوَضِّئِ وَلَا لِلْمُغْتَسَلِ أَنْ يُرَدِّدَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَائِهِ، بَلْ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ، وَبِذَلِكَ جَاءَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ عَنْ تَرْدِيدِ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَلَا نَهَى عَنْهُ ﵇ قَطَّ.
وَيُقَالُ لِلْحَنَفِيِّينَ: قَدْ أَجَزْتُمْ تَنْكِيسَ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَكَّسَ وُضُوءُهُ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَأَخْذُهُ ﵇ مَاءً جَدِيدًا لِكُلِّ عُضْوٍ إنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ ﵇، وَأَفْعَالُهُ ﵇ لَا تُلْزَمُ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ مَسَحُ رَأْسِهِ الْمُقَدَّسِ بِفَضْلِ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ.
1 / 184