معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية
محقق
دكتور حسين نصّار
الناشر
دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م
مكان النشر
مصر
دار الكتب والوثائق القومية
مركز تحقيق التراث
معجم تيمور الكبير
في الألفاظ العامية
تأليف
أحمد تيمور
تحقيق
دكتور حسين نصّار
- (الجزء الأول) -
الطبعة الثانية
(١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م)
مطبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة
1 / 1
الهيئة العامة
لدار الكتب والوثائق القومية
رئيس مجلس الإدارة
د/ صلاح فضل
تيمور، أحمد
معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية/ تأليف أحمد تيمور؛ تحقيق حسين نصار. - ط ٢. - القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، مركز تحقيق التراث، ٢٠٠٢ - مج ١؛ ٢٨ سم.
يشتمل على إرجاعات بيليوجرافية.
تدمك ٣ - ٠٢١٤ - ١٨ - ٩٧٧
إخراج وطباعة:
مطبعة دار الكتب والوثائق بالقاهرة.
رقم الإيداع بدار الكتب ٧٤٧٢/ ٢٠٠٢
IS.B.N. ٩٧٧ - ١٨ - ٠١٢١٤ - ٣
1 / 2
معجم تيمور الكبير
في الألفاظ العامية
1 / 3
ـبسم الله الرحمن الرحيم
كلمة
للدكتور حسين نصار
اللغة العامية: اللغة التي نتخاطب بها في كل يوم، عما يعرض لنا من شئون حياتنا مهما اختلفت أقدارنا ومنازلنا: لسان المتعلمين منا وغير المتعلمين، على اختلاف فئاتهم وحرفهم، والمثقفين وغير المثقفين، أهل الصحراء وأهل الوادي، من سكن منهم المدن ومن استوطن الريف، وأهل القاهرة، والوجه البحري على اتساعه بين الشرق والمغرب، والصعيد على امتداده من الشمال الى أقصى الجنوب.
يتقارب المتحدثون بهذه «اللغة العامية» على «اختلاف أقدارهم ومنازلهم» فيتم التفاهم في يسر وسرعة في أكثر الأحيان. ويتباعدون بسبب هذا الاختلاف حتى يتعذر التفاهم، على الرغم من أن المتحاورين من أبناء مصر.
يتعذر التفاهم بسبب كلمة يستعملها أحدهم ولا يعرفها الآخر، وكلمة أعطاها أحدهم معنى أنكره الآخر عليه أو أعطاها معنى غيره، وكلمة غير أحدهم في بعض حروفها تقديما وتأخيرا، أو ابدالا بحروف أخرى، فلم يهتد اليها صاحبه، وكلمة غاير المتكلم في حركاتها ما لا يغاير سامعه، وكلمة مد المتحدث بصوته فيها أو في بعض حروفها فأضاف اليها أحد حروف اللين، أو أسرع فيها حتى أخفى أحد هذه الحروف، وكلمة قصر صوتها عن أداء المعنى الذي أراده المتحاور فألحق بها بعض الحروف لتفي بما أراد، وكلمة تحبب فيها الناطق أو أهمل فحذف من آخرها بعض الحروف ترخيما.
كل ذلك كان في «اللغة العامية» المستعملة في مصر، وما يزال. وكان فيما عرفت غير مصر من أقطار العروبة من «لغات عامية»، وما يزال.
1 / 5
يقه ذلك بين المتحدثين بالعامية الواحدة - ان أبحنا لأنفسنا اطلاق هذا الوصف على عامية أي قطر -، ويقع مثله بل أكثر منه بين المتحدثين بالعاميات المختلفة في الأقطار العربية.
وهذا ما دعا الى اصدار الكتب المعنية بكل واحدة من هذه العاميات، مثل كتاب «لحن العامة» لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي الذي عني بعامية الأندلس، و«تثقيف اللسان وتلقيح الجنان» لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الذي عنى بعامية صقلية والأندلس، و«معجم عطية في العامي والدخيل» الذي عني بعامية لبنان، و«رفع الاصر عن كلام أهل مصر» للشيخ يوسف المغربي.
والصلة بين هذه العاميات واللغة العربية «الفصيحة» لا يشك فيها أحد. قد تتفاوت هذه الصلة وهنا وقوة في العاميات المتعددة، بل في العامية الواحدة في الأطوار الزمنية التي تمر بها. وقد تتصل بعض العاميات بلغت غير العربية وتأخذ منها، كما فعلت العامية العراقية مع الفارسية والتركية، والسورية مع السريانية، واللبنانية مع الفرنسية، والمصرية مع التركية والايطالية .. وقد تتباعد مواضع الاتصال بين العربية والعاميات بسبب القبائل التي ينتمي اليها جمهور هذا القطر أو ذاك، فتتصل عامية أحد الأقطار بلهجة بني تميم، وعامية ثان بأهل الحجاز، وعامية ثالث بأهل اليمن.
وكان لهذا الاتصال المتفاوت أثره في حركة التأليف العربية. وكان أول ما لفت الأنظار التباعد المتزايد بين الفصحى وغيرها، ذلك التباعد الذي أفزع اللغويين، وعدوه تحريفا للغة، وتبديلا لنقائها، واعتداء على قداستها. فأصدروا الكتب التي أعلنت الحرب عليه، مثل كتاب «لحن العامة» للكسائي المتوفي في ١٩٨ هـ، و«اصلاح المنطق» لابن السكيت المتوفي في ٢١٦ هـ، و«الفصيح» لثعلب المتوفي في ٢٩١ هـ.
ولم تجد هذه الحرب الا في لغة التدوين، فقد وقفت سدًا يحدد طريقها، ويقيم مجراها، ويلم شعث ما قد يتناثر منها. ولكن لغة الحوار لم تحس لها نارا، وسارت غير آبهة، حتى أنتجت ما يشبه اللغتين المتباعدتين أو اللغات المتباعدة.
ولذلك وقف المحدثون الحرب على لغة الحديث، وقصروها على لغة التدوين. فكانت حرب صلاح الدين سعد الزعبلاوي على «أخطائنا في الصحف والدواوين» وحسين فتوح، ومحمد على عبد الرحمن، وحسن على البدراوي، وغيرهم على أخطاء تلاميذ المدارس.
1 / 6
ولم يرد بعذ المؤلفين حرب العامية، بل اعترف بها حفيدة شرعية للعربية الفصيحة، من بناتها المتعددات التي كانت القبائل تتحدث بها. فعنى كثير من المؤلفين عن العامية المصرية خاصة بهذه الصلات، وركزوا عليها الضوء، كما نرى عند محمد بن أبي السرور البكري في «القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، و«التحفة الوفائية في اللغة العامية المصرية» للسيد وفا محمد القوني.
واعترف بعض المؤلفين بالعامية لغة مكتملة، وعالجوها معالجة اللغات المستقلة، فحاولوا حصر مفرداتها. اضطلع بذلك محمد دياب في «معجم الألفاظ الحديثة» وحليم دموس في «قاموس العوام» وغيرهما.
كل هذا يدل على اهتمام القدماء باللغات العامية، على الرغم من اختلاف موقفهم منها رفضا أو قبولا، واصدارهم الكتب الكثيرة عنها. ولكن هذا الاهتمام زاد أضعافا في وقتنا الراهن. فقد لقيت العامية ما يشبه الاعتراف الرسمي بها.
اعتراف بما تضمه من أدب شعبي (فولكلوري)، أنتجه الشعب المتحدث بهذه العاميات معبرًا عن وجدان÷، ذلك الأدب الذي التفتت اليه الأنظار، وركزت عليه الأضواء، وعنيت به الدراسات الأدبية، والفنية، والشعبية، التي تريد فهم هذه الشعوب، والخلوص الى خصائصها.
واعتراف بما تضمه من أدب عامي، أنتجه أدباء آثروا استخدامها على استخدام الفصحى، لأنهم عدوا العامية «لغة الحياة» التي ألهمتهم، ويحسون بظلالها ما لا يحسون قبل الفصحى. وصدر الديوان بعد الديوان فيها في السنوات الأخيرة.
ولكن هذا الأدب العامي ليس وليد اليوم. فان له أمثلة أو «بواكير» قديمة عند الأدباء السالفين، بدت فيما سموه الفنون الملحونة مثل الزجل والمواليا. وانما وجه الخلاف بين القديم والحديث في اتساع النطاق: اتساع شمل القصيدة كلها في العصر الحديث؛ واقتصر في القديم على الخرجة في الموشح خاصة، والكلمات والأبيات في غيره؛ واتساع شمل الدواوين في عصرنا، ولم يقع ذلك في القديم لغير الزجل.
وعلى الرغم من ذلك، وجدت الفنون الملحونة من أدباء الفصحى من عنى بها، ودونها، ودرسها، مثل صفي الدين الحلي في كتابه «العاطل الحالي. وابن حجة الحموي في كتابه «بلوغ الأمل» والابشيهي في «المستطرف في كل فن مستظرف» وغيرهم.
1 / 7
ونحن - عندما نتتبع الكتب المؤلفة عن العامية - نجد أنها سارت في طرق متعددة، وسلكت مناهج متباعدة، نظرا لكثرتها، واختلاف نظر مؤلفيها وغايتهم، وتطاول الزمن الذي ألفت فيه.
أما أقدم الكتب فلم تتبع طريقا معينا، ولا التزمت ترتيبا محددا، وانما اعتمدت على الخاطر، تسجل ما يرد عليه. ويمثلها كتاب لحن العامة» لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي المتوفي في ١٩٨ هـ، و«درة الغواص في أوهام الخواص» لأبي محمد القاسم بن علي الحريري المتوفي في ٥١٦ هـ، و«سهم الألحاظ في وهم الألفاظ» لمحمد بن ابراهيم بن الحنبلي، المتوفي في ١٠٢٨ هـ.
ثم ظهر لون ساذج من الترتيب. فقد عمد بعض المؤلفين الى تقسيم كتابه الى فصول، معتمدا على نوع التحريف الذي أحدثته العامية في الكلمة، ويتمثل هذا الترتيب في «اصلاح المنطق» لأبي اسحاق يعقوب بن السكيت المتوفي في ٢١٦ هـ، و«أدب الكاتب» لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفي في ٢٧٦ هـ، و«الفصيح» لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب المتوفي في ٢٩١ هـ، و«لحن العامة» لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي المتوفي في ٣٧٩ هـ، و«تثقيف اللسان وتلقيح الجنان» لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي المتوفي في ٥٠١، و«» التكملة فيما يلحن فيه العامة» لأبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي المتوفي في ٥٤٠ وغيرهم.
ولجأ المتأخرون - من الملتزمين بهذا الترتيب - الى اتمامه، باتباع الترتيب الألفبائي في داخل الفصول. ولم أجد هذا الترتيب المزدوج الا عند صديق بن حسن خان القنوجي في كتابه «لف القماط على تصحيح بعض ما استعملته العامة من العربي والدخيل والمولد والأغلاط» الذي ألفه في ١٢٩٦ هـ/١٨٧٨ م.
وكان ذروة الترتيب النظام الألفبائي يخلص له الكتاب كله. وسار الذين اتبعوا هذا النظام في طريقين. فقد رأى بعضهم ما بين العامية والفصحى من تباعد، فاعتقد أن ذلك يقتضي نهجًا خاصًا بالعامية لا تشاركها فيه الفصحى، فغض النظر عن نظام الحروف الأصلية الذي تلتزم به معاجم الفصحى، ورتب الكلمات في كتابه وفق حروفها كلها، سواء كانت أصلية أو مزيدة. فعل ذلك أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي
1 / 8
(المتوفى في ٥٩٧ هـ)، الذي ألف كتابه: «لحن العامة» في ٥٦٨ هـ، ورشيد عطية في «الدليل الى مرادف العامي والدخيل» (طبع في ١٨٩٨) و«معجم عطية في العامي والدخيل» (طبع ١٩٤٤) وحسن توفيق في «أصول الكلمات العامية» (١٨٩٩ م) والدكتور أحمد عيسى في «المحكم في أصول الكلمات العامية» ومحمد دياب في معجم الألفاظ الحديثة (١٩١٩) وغيرهم.
واحتضن بعضهم النظام المألوف فرتبوا ألفاظهم على حروفها الأصول وحدها. فعل ذلك أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن زكريا المغربي المتوفي في ١٠١٩ هـ في كتابه «رفع الاصر عن كلام أهل مصر» ومحمد بن أبي السرور البكري في كتابه «القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب» الذي ألفه في ١٠٥٧ هـ، والسيد وفا محمد القوني في كتابه «التحفة الوفائية في اللغة العامية المصرية».
وفي الربع الأول من هذا القرن ظهرت مجموعة من الكتب المدرسية التي تحاول أن تقي التلاميذ من الوقوع في شرك الألفاظ العامية، وأن تهديهم الى الطريق السوي في يسر. فاعتمدت - من أجل ذلك - على نظام الجداول، تضع فيها الكلمة الخاطئة (أو العامية) وتشفعها بالكلمة الصائبة (أو الفصيحة). ويمثل هذه المجموعة كتاب «الدرر السنية» لحسين فتوح ومحمد على عبد الرحمن (طبع في ١٩٠٨ م) و«تهذيب العامي والمحرف» لحسن علي البدراوي (طبع في ١٩١٢) و«تهذيب الألفاظ العامية» لمحمد علي الدسوقي (طبع في ١٩١٣). و«الخلاصة المرضية» لعبد الرءوف ابراهيم وسيد علي الألفي (طبع في ١٩٢٢) و«المحرف والعامي» لحليم فهمي (طبع في ١٩٢٣) و«قاموس العوام» لحليم دموس (طبع في ١٩٢٣). ورتب أكثر رجال هذه المجموعة ألفاظهم على الألفباء سوى الدسوقي وحليم فهمي اللذين اتبعا ترتيبا شبيها بترتيب القنوجي في «لف القماط».
وابتدأت الكتب المؤلفة في العامية برسائل موجزة، تكتفي بايراد اللفظ الخاطئ وتصويبه، مع شاهد من القرآن أو الشعر. ولكنها أخذت في الطول شيئا فشيئا حتى ارتمت في أحضان الأخبار والأشعار والأحاديث والتعليقات النحوية والصرفية والاستطرادات في القرنين الخامس والسادس واستمرت تميل الى نظام المتون تارة، والى نظام الأخبار الأدبية والاستطرادية أخرى، وتتوسط بين ذلك ثالثة، حتى غلب عليها الايجاز والتوسط في العصر الحديث.
1 / 9
وكانت الكتب الأولى من العاميات لا تلتفت الى ما فيها من دخيل، ولكن سرعان ما جذب الانتباه. فأفرد ابن قتيبة له بابا في أدب الكاتب. ثم ظهر هذا الأمر ثانية في القرن التاسع عشر حين اشتد أخذ المشارقة من اللغات الأوربية. ولذلك كانت الألفاظ الدخيلة في الكتب الأولى فارسية ثم تركية، وصارت في العهد الأخير من كل جنس ولغة. وأعظم من عني بهذه الناحية رشيد عطية والدكتور أحمد عيسى والقس طوبيا.
ونالت أربعة كتب منها اعجاب اللغويين، فدارت حولها دراسات ضخمة، ما بين شرح واختصار وتهذيب وترتيب وتكملة ونقد ودفاع ونظم وشرح للنظم، هذه الكتب هي اصلاح ابن السكيت، وأدب ابن قتيبة، وفصيح ثعلب، ودرة الحريري.
ونستبين من هذه الجولة أن العامية المصرية وجدت في القرون الأربعة الأخيرة من يعنى بها، ويؤلف عنها. ذكرت أسماء ثلاثة فعلوا ذلك، هم يوسف بن زكريا المغربي المتوفي ١٠١٩، وابن أبي السرور البكري ثم السيد وفا القوني. ويمكن أن أضيف اليهم محب الدين أبا الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي (١١٤٥ - ١٢٠٥) الذي أضاف شيئا من ألفاظ العامية المصرية الى معجمه «تاج العروس من جواهر القاموس».
ولم ترم هذه الكتب الى النقد والتسفيه بل الى التسجيل واكتشاف الروابط بين العامية والفصحى، فقصدت الى تسجيل اللفظ العامي، ومعناه، وأصله الفصيح ان كان عربيا أصيلا. يقول المغربي: «مقصد الفقير يوسف المغربي أن .. يهذب ما يقع من عوام أهل مصر بأن يرجعه للصواب ... وليس المراد أن جميع ما صدر من الناس أصححه، وانما ما قبل الصحة نبينه، وما لا يقبل أصرح بعدم قبوله». ولما كان القول المقتضب تلخيصا لرفع الاصر، فقد اقتصر البكري على النوع الأول من الألفاظ، وقال: «لم أذكر فيه الا كل لفظ له أصل في اللغة العربية، والناطق بها أهل الديار المصرية». ولكن ناقده يوسف الملوى الشهير بابن الوكيل عابه على هذا واستدركه عليه وقال: «لم يثبت في كتابه الا ما له أصل في كتب اللغة خوفا من الاسهاب. ورأيت ذلك أخل بالمقصود من وضع الأصل، وأن ما أتى به لا فائدة فيه، لوجوده في كتب اللغة المشهورة عن أهل الفضل. فأحببت أن أضم له ما تفرد به أهل مصر من اللغة التي لا يستعملها أحد من الأمم سواهم، كما فعله صاحب الأصل، وتوجيه ما استعملوه مما لم يوجد في نقل».
1 / 10
واتبع المغربي والبكري ترتيب القاموسي المحيط .. للفيروز أبادي فجردا الكلمة من حروفها الزوائد ثم رتباها على الأصول وحدها. فنظرا الى الحرف الأخير أولا وجعلاه الباب، ثم نظرا الى الحرف الأول وجعلاه الفصل، ثم رتبا الحشو الذي اختل عليهما كثيرا. قال المغربي: «يرتب هذا الكتاب على أبهج ترتيب ... وهو على حروف الهجاء كالقاموس مع تسامح في الأصلي والزائد». وقال البكري: «مرتبًا ذلك على ترتيب القاموس كأصله». وعدل القوني عن هذا النظام الى النظام المألوف، الذي ينظر الى الكلمة مبتدئًا بالحرف الأصلي الأول فالثاني فالثالث .. الى آخر أصولها ولكن يعيبه اضطراب الترتيب في بعض المواضع، والحاقه ما نسيه في فصل الألف والباء من الكلمات بعد انتهاء فصل الباء، واعتداده بهمزة المتكلم في الترتيب كأنما هي حرف أصيل من الكلمة.
وأطال المغربي في علاجه للألفاظ، حتى قال عنه مؤلفه: «مشتملا على شفاء الصدور، وبهجة النفوس، من أشعار فائقة، ولطائف رائعة، وما سمعته من العلماء، واجتليته من شموس أفهام الفهماء، أو ظفرت به في الكتب، أو سمحت به الفكرة مما يرسم بالذهب ... بل لا يخلو من الفوائد التفسيرية، والفرائد الحديثية، وكثير من العلوم على كثرة تفننها». وقد أشاد ابن الوكيل بهذه الظاهرة فيه، ورأى أن ذلك «يشهد لصاحبه بطول اليد في اللغات، واستكماله من العلوم لسائر الأدوات». ولكن البكري عاب هذه الآطالة، ومن أجل التخلص منها ألف كتابه، قال: «أسهب فيه غاية الاسهاب، باستطراده في بعض الألفاظ اللغوية التي ليست من شرط الكتاب مع ذكره أشعارا وحكايات من قسم الاستطراد، اذ لا معنى لها في هذا التصنيف، ولا مدخل لها في هذا التأليف. فخطر لي أن ألخص من محاسنه». والظاهرة الواضحة في كتاب القوني الاحتفال بالأمثال العامية، وعدم التحرج من التفسير بعبارة عامية أحيانا.
ويعيب رفع الاصر والقول المقتضب عدم ضبط كثير من الألفاظ التي أورداها وفسراها. كما يعيب القول المقتضب اهتمامه بالمعاني الفصيحة فقد كان يذكر اللفظ ثم يعدد معانيه في العربية الفصحى لا العامية. وبرئت التحفة من هذين العيبين فقد ضبطت ما ضمت من ألفاظ، وجعلت وكدها المعاني العامية لا الفصيحة.
وتصل بنا هذه الجولة المتشعبة الى هدفنا الذي كنا نمهد له، وهو هذا الكتاب، الذي ألفه واحد من أعلام العربية في العصر الحديث، اقتنى مكتبة من أكبر المكتبات الخاصة بمصر - ان لم تكن بالعالم العربي - وأثراها
1 / 11