706

المسألة العشرون [في الدلالة على قدرة الله تعالى]

اعلم أن هذه الآية كما دلت على إثبات الصانع المختار تعالى فقد تضمنت الدلالة على أنه قادر؛ لأنه قد ثبت أنه تعالى الذي أوجد العالم وصنعه، وصحة هذا الفعل منه توجب كونه قادرا؛ إذ العاجز الضعيف لا يمكنه إيجاد الفعل ضرورة، وقد بينا إبطال القول بأن المؤثر في العالم موجب من علة وغيرها، ويؤكد ذلك أن العالم كثير التغير والتقلب من حالة إلى أخرى، وكل أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة، فإنه تارة في الصحة وتارة في الألم، وتارة في الصغر، وتارة في الكبر إلى غير ذلك من التغيرات، وهذه التغيرات كما تدل على وجود الآلة لحدوثها بعد عدمها، والفطرة السليمة تشهد بذلك بدليل أنا لو سمعنا أن بيتا حدث بعد أن لم يكن، فإن صريح العقل يشهد بأنه لا بد له من بان أوجده وبناه، ولو أن إنسانا شككنا فيه لم نشك، فكذلك تدل على أن فاعلها قادر كفاعل البيت، فصح أن دلالة الآية على أن الله تعالى الذي أوجد العالم يتضمن الدلالة على كونه قادرا، وكما تضمنت الدلالة على ذلك فقد تضمنت الدلالة أيضا على أنه عالم لما في العالم من الإحكام والإتقان والتدبير العجيب، وتضمنت أيضا الدلالة على أنه تعالى حي؛ إذ القادر العالم لا يكون إلا حيا على كونه قديما، وإلا لاحتاج إلى محدث، ومحدثه إلى محدث إلى ما لا نهاية له، وذلك محال.

وفي الآية أيضا دلالة على تنزيه ذات الله عن المكان والزمان، والحلول في أي محل كان؛ لأنا قد بينا أن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، وقد ثبت أنه رب العالمين ومحدثه وخالقه، والخالق سابق على وجود المخلوق ضرورة، ومتى كان الأمر كذلك كانت ذاته موجودة قبل حصول الفضاء والفراغ الذي هو عبارة عن الجهة، وقبل الزمان الذي هو عبارة عن المدة التي يحصل بسببها القبلية والبعدية، وقبل كل محل؛ إذ لو حل بعد وجود المحل في جهة منه لانقلبت حقيقة ذاته، وذلك محال.

صفحة ٧١٢