655

قالوا: وكذلك صورة الحديد كانت كامنة في المعدن وكذلك المعدن حتى انتهوا إلى علة العلل التي زعموا أن صور جميع الأشياء كامنة فيها وموجودة فيها بالقوة، قالوا: وكذلك القول في جميع صور الحيوانات والنباتات قالوا: وكل من الهيولى والصورة محتاج إلى الآخر بالفعل، فحاجة الصورة إلى الهيولى حاجة المشروط إلى شرطه، والحال إلى محله، ومعنى حاجتها إليه بالفعل أنها تحتاج عند وجودها بالفعل إلى أن تحله فتحيز بعد ذلك، وحاجة الهيولى إلى الصورة حاجة المعلول إلى العلة، ومعنى ذلك أنه لا يتحيز إلا بحلولها فيه، ولا يحتاج إليها في وجوده، ومنهم من يقول: إن أصل العالم جوهر بسيط وهو غير متحيز ثم تحيز فركبت منه الأجسام، ومنهم من يقول: هو جواهر بسيطة.

واعلم أن المسلمين قد أبطلوا هذا المذهب الخبيث الذي لا غرض لهم فيه إلا ما ذكره السيد حميدان رحمه الله من إرادة إبطال القول بالصانع المختار، وإثبات تأثير العلل التي يزعمونها مؤثرة، والوجوه التي أبطله بها المسلمون كثيرة.

منها ما تقدم من ثبوت حدوث الأجسام قطعا، وإذا ثبت حدوثها بطل قدمها الذي يزعمونه؛ لأن القولين في طرفي نقيض إذا ثبت أحدهما انتفى الآخر، وإلا لصح كون الشيء الواحد قديما محدثا، وهو محال، ومنها: أن القول بالهيولى والصورة دعوى مجردة عن الدليل؛ إذ هما غير معقولين ولا طريق إليهما، ومنها: أن الصورة لا يعقل كونها صورة إلا إذا كانت فعلا لمصور مختار، كما أن الصورة المعمولة من الحديد وغيره لا تكون صورة إلا بمصور صورها، فيجب في كل صورة من العالم أن يكون لها صانع مختار.

ومنها: أن كل عاقل يعلم ضرورة استحالة كمون الإنسان بما اشتمل عليه من الأجسام والأعراض في نطفة قليلة ضعيفة.

ومنها: أن كثيرا من أجزاء الحيوانات تتولد من الغذاء، ومنه ما يكون من حيوان آخر، ومنه ما يكون من أنواع النبات، فكيف يتصور كمون الصورة الواحدة في مواضع كثيرة مختلفة جنسا ونوعا وشخصا.

صفحة ٦٦١