مفتاح السعادة
وأما الأصل الثالث: وهو أن الجسم لم يخل من الأعراض ولم يتقدمها فلا خلاف فيه بين الموحدين، ووافقهم كثير من الفلاسفة، وخالفهم أفلاطون وأتباعه فقالوا: لو كان الجسم خاليا من الأعراض فالجسم قديم والعرض محدث؛ لأن الجسم عندهم أصله جوهران بسيطان غير متحيزين لا عرض فيهما، أحدهما: يسمى هيولا، ويعنون به أصل الشيء المتنزل منه منزلة الطين من اللبن، ويقال له: مادة الجسم، والآخر يسمى صورة، ويعنون به ما يحصل من التركيب المتنزل منزلة التربيع.
قالوا: فلما حل أحدهما وهو الصورة في الآخر وهو الهيولا تحيزا أو تكاتفا وتركب منهما جميع الأجسام، فحلتهما الأعراض بعد ذلك.
والدليل لما يقوله الموحدون من وجوه:
أحدها: أن الجسم لو جاز خلوه من الأعراض فيما مضى لصح الآن؛ لأنه لم يتغير عليه الأمر والزمان، وهو مما لا تأثير له فيما يصح على الجسم أو يجب أو يستحيل، ألا ترى أنه لما صح عليه الاجتماع والافتراق الآن جاز أن يكون مجتمعا أو مفترقا في كل زمان، ولما استحال عليه أن يكون مجتمعا ومفترقا دفعة واحدة استحال في كل وقت وأوان، ولما وجب كونه على أحدهما الآن وجب في كل وقت، فثبت أنه لو جاز خلوه عنها في حال من الأحوال لجاز الآن، والمعلوم أنه يستحيل خلوه عنها الآن؛ إذ لو جاز ذلك لجاز تصديق من أخبر بوجود جسم ليس بمتحرك ولا ساكن، أو جسمين لا مجتمعين ولا مفترقين.
والمعلوم أن العقلاء يكذبون من أخبر بوجود ذلك، فإن قيل: هذا كله مبني على أن الجسم لا يوجد إلا متحيزا، وأن تحيزه غير متجدد، والمخالف لا يسلمه، وعلى هذا فله أن يقول: إنه قد تغير عليه غير مرور الزمان وهو التحيز فإنه قد كان غير متحيز عنده فلم يصح حلول الأكوان فيه، وبعد تحيزه حلته كما هو مذهبه، فما الدليل على أن الجسم لا يوجد إلا متحيزا حتى يصح ما بنيتم عليه؟
صفحة ٦٥٩