625

وأما (الكرامية): فيبطل قولهم دخول أفعل التفضيل فيقال: هذا أجسم من هذا، ولو كان كما قالوا: لم يصح وصفه بالتزايد؛ لأن معنى جسميته ترجع إلى النفي، لأن معنى قولهم قائم بذاته أنه لا يفتقر إلى محل، والنفي لا يتزايد فلا يدخله التفضيل، والمعلوم أن العرب تستعمله فيه، والمسألة لغوية لا مجال للعقل فيها.

والجواب من وجهين:

أحدهما: أن هذه الأسامي أعني السطح ونحوه مجرد اصطلاح لا دليل عليها، وقد أقروا بذلك.

الثاني: أنهم جعلوا أول أصل من أدلتهم أن الجسم يتألف من جواهر، ونحن لا نسلم ثبوت الجواهر بالمعنى الذي ذكروه كما سيأتي، ودعواهم أن أهل اللغة لا يسمون جسما إلا ما اجتمع من الجواهر التي ذكروها على اختلافهم، فمبني على ثبوت الجوهر، ونحن لا نثبته لا عقلا ولا لغة.

وأما قولهم إن الطويل ونحوه موضوعة لمعان غير المعنى الذي وضع له الجسم إلى آخر ما ذكروه في الأصل الثاني، فجوابه: أن هذا التقرير صادر عن غير تأمل، ولا نظر صحيح في معنى الصفة عند علماء العربية، مع إقرارهم بأن المسألة لغوية، وأنت إذا تأملت علمت أن ذكر الطويل، والعريض، والعميق أسماء موضوعة للاحتراز بها عما قابلها، ومقابل الطول العرض والقصر، وقد ذكر علماء العربية أن فائدة الوصف إما التخصيص في النكرات، أو التوضيح في المعارف، فإذا قال القائل هذا جسم طويل أفادك تقليل الاشتراك في لفظ جسم؛ لأنه مشترك اشتراكا معنويا بين الطويل وضده، فإذا وصفته تعين أحد المعنيين وكذلك البواقي، وبهذا تعرف أن لفظ جسم، ولفظ طويل ليس معناهما واحد من كل وجه إلا في المعارف؛ لأنه لم يقصد فيها إلا زيادة التوضيح، فعلى هذا إذا قيل جسم كان مشتركا بين ما يشغل الحيز، فإن امتد قيل: جسم طويل، وإن لم قيل قصير أو عريض، فصح أن الجسم في اللغة ما يشغل الحيز، ولفظه مشترك اشتراكا معنويا، فإن قيل: كلامك هذا يدل على أنه لا يشترط في الجسم أن يكون طويلا عريضا عميقا.

صفحة ٦٣١