مفتاح السعادة
قيل: لما كان العالم يطلق على الجنس بأسره نزل منزلة الجمع حتى قيل: إنه جمع لا واحد له من لفظه كما مر، وقد مر أن الجمع يستغرق آحاد مفرده وإن لم يصدق عليها كما في: {والله يحب المحسنين}[آل عمران:134 ] أي: كل محسن، فكذلك العالم يشمل أفراد الجنس وإن لم ينطلق عليها كأنها آحاد مفرده المقدر، وعلى هذا فالعالمون بمنزلة جمع الجمع، فكأن الأقاويل تتناول آحاد الأقوال، كذلك لفظ العالمين يتناول كل واحد من آحاد الأجناس التي لا تحصى، على أن عدم إطلاق اسم العالم على آحاد الجنس إنما هو بحسب الغلبة والاصطلاح، وأما باعتبار الأصل فقال أبو السعود: لا ريب في صحة الإطلاق قطعا لتحقق المصداق حتما، فإنه كما يستدل على الله سبحانه بمجموع ما سواه، وبكل جنس من أجناسه يستدل عليه تعالى بكل جزء من أجزاء ذلك المجموع، وبكل فرد من أفراد تلك الأجناس لتحقق الحاجة إلى المؤثر الواجب لذاته في الكل.
وبهذا تم الكلام على ما اختلف فيه أهل الإسلام، مما يتعلق بتحقيق العالم بحسب ما يقتضيه الحال والمقام، وقد تركنا بعض ما ينسب إلى أفراد منهم، إما لعدم الدليل عليه، أو لأنه راجع في التحقيق إلى ما قد حكيناه.
وأما الملاحدة ومن قال بمثل قولهم من الفلاسفة والباطنية وأشباههم فقال السيد حميدان رحمه الله: إنهم يزعمون أن العوالم كثيرة منها عالم العقول التي يزعمون أنها قبل الزمان والمكان، ومنهم من يعبر عن تلك العقول بأنهم الملائكة الروحانيون المقربون، ومنها عالم الأفلاك والأملاك، ومنهم من يعبر عنها بأنها الملائكة الكروبيون، ومنها عالم الطبائع الأربع التي يسمونها العناصر، والأمهات، والإستقصاءات، والأركان، ومنها عالم الكون والفساد وهو الأرض وما فيها مما يحدث ويفنى، ويزيد وينقص، ويحيى ويموت.
صفحة ٦٢٢