مفتاح السعادة
الجهة الثانية: للجمهور وهي أنهم التزموا صحة تقديره، وامتنعوا من الجواب بنعم، أو بلا إذ بأيهما أجيب نقض أصلا قد تقرر كما قالوا: فيما لو قدرنا وقوع ما علم الله أنه لا يقع هل كان يكشف عن الجهل ويدل عليه، وسيأتي الكلام على تقدير وقوع ما علم الله أنه لا يقع، فيؤخذ جواب هذا من هناك، فإن المسألتين من واد واحد، إلا أنا نذكر هنا ما ذكره أبو علي من علة الامتناع من الجواب؛ لأن كلامه هذا أصل فيما يجب الجواب عنه من الكلامين المتعلق أحدهما بالآخر، وما لا يجب، وحاصله أن كل كلامين تعلق الثاني بالأول على تقدير وجود الأول لا يخلو إما أن يكون أحدهما هو الآخر نحو: إن كان زيد فاعلا للظلم فهو ظالم، أو موجبا له سواء كان الأول موجبا للثاني نحو: إن كان في قلبه علم فهو عالم، أو الثاني موجبا للأول نحو: إن كان عالما، ففي قلبه علم، أو يكون أحدهما مصححا للآخر نحو إن كان الجوهر متحيزا احتمل العرض، وإن كان عالما كان حيا، وإما أن لا يكون أحدهما هو الآخر لا موجبا له ولا مصححا، إن كان الأول وجب الجواب بلا أو نعم، وإن كان الثاني صح الامتناع من الجواب بأيهما إذا دل الدليل على فسادهما بهذه المسألة، لأنا إن قدرنا وقوع الظلم من جهته تعالى لم تصح دلالته على الجهل والحاجة؛ لأنه عالم غني لذاته، ولا يصح أن لا يدل لأنه يعود بالنقض على دلالته في الشاهد، فكان لنا الامتناع؛ لأن الظلم ليس هو الجهل والحاجة، ولا يوجبهما ولا يوجبانه، ولا يصححهما، ولا يصححانه في حق الله تعالى لأن المصحح للظلم في حقه تعالى هو القدرة فقط، واعترضه أبو الحسين بأن الخصم لم يلزمكم العبارة حتى تمنعوا إطلاقها، وإنما ألزمكم المعنى وهو أن تقدير وقوع الظلم منه تعالى هو يولد ذلك الظلم العلم بالجهل والحاجة أم لا، وليس يخرج النظر عن كونه مولدا لهذا العلم، أو لا.
صفحة ٥٨١