مفتاح السعادة
قال في الشرح: أما المجبرة فذلك موافق لأصولهم؛ إذ لا نهي في حقه تعالى، وأما النجارية فيحقق الخلاف معهم لأنهم يقولون إن القبيح يقبح لعينه، فحكمهم حكم من خالف من أصحابنا، وأما النظام ومن معه فخالفوا أصل أشياخهم؛ لأن الجهل ونحوه من جملة أجناس المقدورات، والباري تعالى قادر لذاته فلا يختص به جنس دون آخر، هذا معنى كلامه، ولا يخفى أن الذي تقتضيه أصول المجبرة أنهم إنما ينفون وقوعه من الباري على معنى أن ما فعله فليس بقبيح، فعلى هذا لا يصح نسبة القول بأنه لا يقدر على القبيح إليهم؛ لأنه يقدر عليه عندهم، ولا يقبح منه، وإنما الذي يصح نسبته إليهم هو القول بأنه لا يوصف بأنه فاعل القبيح؛ إذ لا قبيح منه حتى يقال: إنه فاعله، وهذا هو الذي تفيده عبارة صاحب العيون، وإما أنهم يقولون بعدم القدرة عليه ، ففيه نظر لما عرفت، اللهم إلا أن يحمل ذلك على ما يفعله العباد من القبائح فقط كما يفيده ظاهر كلام القرشي.
واعلم أن النجري قد جعل الأكثر في رواية القلائد فريقين، فجمهورهم قالوا: إنما منعت منه الحكمة، وأبو الحسين ومن معه قالوا: بل لعدم الداعي، ولكن جواب المهدي بقوله: قلنا إنما منعت منه الحكمة يدل على أن المقصود بالأكثر من عدا أبي الحسين، أو أن كلام أبي الحسين راجع إلى هذا القول.
هذا ما أمكن تحريره في نقل الخلاف، وعليك بالتثبت في نقل الخلاف، فربما نسب إلى بعض العلماء ما يقتضي كفره وهو بريء منه، فإذا عرفت هذا فلنأخذ في أدلة هذه الأقوال فنقول: احتج القائلون بأنه يقدر عليه لولا منع الحكمة بأدلة:
أحدها: أنه من جنس المقدورات، وقد ثبت أنه قادر لذاته فيقدر على جميع أجناس المقدورات؛ إذ لا اختصاص لذاته بمقدور دون مقدور، فيصح منه فعل القبيح من حيث القدرة، ويستحيل منه من حيث الحكمة، ولا تناقض لاختلاف الجهتين.
صفحة ٥٧٦