مفتاح السعادة
قلت: وهذه الإلزامات مؤاخذة لهم بظاهر كلامهم، ومجاراة لهم بحسبه، وإلا فقد تأول كلامهم بأن معنى كون القبح ذاتيا للظلم مثلا أنه لا يقع ظلم إلا وهو قبيح، وكذلك سائر القبائح فهو ذاتي لحصول وجه القبح فيه لا لمجرد ذات الفعل، فتكون تسميته ذاتيا حينئذ مجازا، ويكون كلامهم موافقا للأئمة والبصرية، وهذا هو اللائق بعلمهم، وقوة أنظارهم؛ إذ من البعيد أن يقولوا بقبح الظلم لكونه أكوانا، فإن العدل مثله، ومن البعيد أن يعللوا بكونه هذه العين؛ إذ معنى ذلك أنه ليس غيره، فيلزم قبح الحسن لأنه ليس غيره.
وقال الإمام المهدي عليه السلام في تأويل كلامهم ما لفظه: إنما أرادوا ما أردنا من أن الظلم إنما قبح لكونه ظلما، فكأنا عللناه بعينه لما قبح الظلم لكونه ظلما، وظاهر اللفظ يقتضي أن قبحه معلل بعينه، ولهذا قالوا: قبح لعينه وهم يريدون ما أردنا حيث قلنا لكونه ظلما، أي لكونه ضررا عاريا عن نفع، ودفع، واستحقاق.
قال عليه السلام : هذا الذي يتلخص لي من مذهب البغدادية. والله أعلم.
وحكى الإمام عز الدين عليه السلام عن الرازي أنه حمل كلام أبي القاسم في هذه المسألة وغيرها كقوله في الواجب، والحسن، والأمر، والنهي، والخبر، وجميع الأوصاف التي تجري على الأفعال على أنه مراده بقوله فيها لذاته، وعينه أن عين الضرر الذي فيه حقيقة الظلم يكون ظلما، وكذلك الكذب، والعبث، ونحو ذلك لا يختلف الحال فيه، ولا يحتاج في كونه كذلك إلى إرادة، وكذلك قوله في أنواع الكلام كالأمر فإنه بالوضع اللغوي موضوع للأمر من غير اعتبار إرادة كالأسد والحمار، وكذلك غيره من ضروب الكلام.
صفحة ٥٣٩