497

وفي الشاهد: أن إنسانا لو أنعم على ملحد وأحسن إليه أن الملحد يشكره ويثني عليه، فثبت أن شكر المنعم في العقل واجب، فكيف يقول هؤلاء أنه لا يجوز من الله الأمر بالحمد وقد ثبت حسنه، هل يقولون إنه لا يجوز الأمر بالحسن؟ ثم إن الله تعالى قد أمر بالشكر في غير آية، ووردت بذلك السنة النبوية، وأمر الله تعالى بالحمد في قوله: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا }[الإسراء:111 ]وقد عد الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام النطق بالحمد من واجبات اللسان، واستدل بهذه الآية وبافتتاح الله كتابه بالحمد، فعلى ما ذكره هؤلاء فقد أمر الله بما لا يجوز، ولا يخفى أن القول بهذى يقتضي كفر قائله، والعجب من الرازي حيث عد أهل هذه المقالة من أهل العلم، وهل يعد من أهل العلم من نسب إلى الله تعالى الأمر بالقبيح صريحا، لكنه لما رأى مقالتهم هذه مما يتأيد بها مذهبه من نفي وجوب شكر المنعم عقلا لم يبال بما يلزم عليها من نفي الوجوب الشرعي، ورد صريح الكتاب والسنة كما هي عادته في التشبث بما وجد، وهكذا كل من كان نظره لنصرة أسلافه وتأييد ما نشأ عليه، وتلقفه عن مشائخه.

وأما قول الفريق الأول أن الحمد إما لأجل الإنعام أولا.. إلى آخر ما ذكروه، وقولهم: إنه عبث، فجوابه أن الأمر به لأجل الإنعام وليس الأمر به لطلب المكافأة، بل لطلب الحق الثابت وهو استحقاق المنعم الشكر من المنعم عليه، وطلب الحق حسن عند العقل، والفائدة فيه للحامد، وقد تقدم بيانها، وحاصله أن الفائدة خروج الشاكر من دائرة الكفران، وتميزه بذلك فيعامل معاملة الشاكر.

وأما قولهم: إنه يؤدي إلى العقاب، فجوابه: أنه قد ثبت أن الشكر حق لله، وثبت أن لصاحب الحق المطالبة به والمعاقبة على الإخلال به، وأن ذلك كله حسن، ثم إنه من جملة ما كلفنا به، وسيأتي تحقيق حسن التكليف في موضعه إن شاء الله.

صفحة ٥٠٠