مفتاح السعادة
وعلى الجملة أن النعم لا تحصى، وإذا كنا غير قادرين على إحصائها فلا شك أنا لا نقدر على شكر كل نعمة بشكر يخصها، وبهذا يظهر لك أنه لا معارضة بين هذه الأحاديث، وكلام العلماء رضي الله عنهم، ومما يدل على أنه لا يمكن الوفاء بالشكر أنه قد قيل: إن الطاعات كلها شكر، وفي جملتها أن لا يعصى الله، والمعلوم من حال البشر أن أحدا منهم لا يخلو عن معصية على اختلاف أنواعها ومن عصى الله أي معصية فقد أخل بالشكر حال تلبسه بالمعصية قطعا ، وقد أخبر الله تلبس البشر بالمعاصي في قوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}[فاطر:45] ولفظ الناس عام يدخل فيه كل إنسان حتى الأنبياء، ويؤكد دخولهم في العموم الآيات الدالة على وقوع المعاصي منهم، فصح أن الإتيان بالشكر التام غير واقع. والله أعلم.
تنبيه [معنى نفي المجبرة للحمد عقلا]
اعلم أن ظاهر ما حكاه القرشي وغيره من أصحابنا أن المجبرة إنما ينفون وجوب شكر المنعم عقلا أي أن العقل لا يدرك وجوبه، فأما وجوبه شرعا فهم لا يخالفون فيه، وظاهر كلام الرازي السابق أن الشرع لا يوجبه فقد خلط في المسألة فتارة يقول:إن الأمر به يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق كما مر، وقال تارة أخرى: إن الناس اختلفوا في أن وجوب شكر المنعم ثابت بالعقل أو بالسمع، وهذا هو الصواب في نقل الخلاف، وقال بعد هذا أن أهل العلم افترقوا فريقين:
الفريق الأول قالوا: لا يجوز من الله أن يأمر عبيده بأن يحمدوه، ثم احتج لهم بوجوه:
أحدها: أن ذلك الحمد إما أن يكون لأجل إنعامه عليهم أو لا، الثاني باطل لأنه إتعاب للغير بلا فائدة وذلك ظلم، والأول باطل أيضا لأنه يقتضي طلب المكافأة، وذلك يقدح في كمال الكرم فإن الكريم لايطلب المكافأة.
الوجه الثاني: أن الاشتغال بالحمد عبث لأنه إتعاب للحامد بلا فائدة للمحمود لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته يستحيل أن يستكمل بغيره.
صفحة ٤٩٨