مفتاح السعادة
والجواب: أنا لا نسلم أن افتراقهما في التعلق يقتضي القطع باختلافهما في المعنى، إذ اختلافهما في التعلق إنما هو من حيث الصناعة اللفظية فقط، ثم إنه يلزم من استنباط اختلافهما في المعنى من ذلك إثبات الأوضاع اللغوية بالاستنباط، وهي لا تثبت إلا بالنقل.
الفرق السادس: ذكره السهيلي وهو أن الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن، وأن تكون الصفات المحمودة صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما.
قال: ولهذين الشرطين لا يوجد الحمد لغير الله تعالى.
وأجيب بأن ثبوت الحمد لغير الله تعالى شائع ذائع، ويدل عليه قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[الإسراء:79].
قال ابن عباس: يحمده فيه أهل السموات وأهل الأرض، وقالت عائشة في قصة الإفك: لا أحمد إلا الله، وقالت: أحمد الله لا أحمدك، وحمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما فيه من صفات الكمال معلوم عند كل أحد، وذلك الحمد صادر كثير منه عن علم لا ظن، فمن أين له اختصاص الحمد بالله تعالى، ثم إن قوله: إن الحمد لا يكون إلا عن علم وأنه مختص بأهل الكمال، مردود بثبوت الحمد لكل من فعل خيرا سواء علم صدوره منه أو ظن، وسواء كان من أهل الكمال أم من غيرهم، والشواهد عليه كثيرة منها قوله:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره
وقد تقدم بعضها، بل قد حمد غير الفاعل كما في قولهم عند الصباح يحمد القوم السرا، وفي كلام الأئمة والعلماء من الحث على اكتساب الحمد بفعل ما يوجبه من الخصال الحميدة ما يفيد القطع بأنه يستحقه كل من فعل خيرا كائنا من كان.
وفي (نهج البلاغة) وكتب القاسم بن إبراهيم عليه السلام كثير من ذلك.
صفحة ٤٧٢