457

تنبيه [في الحمد بالقول وغيره]

قد سبق أن الذي تدل عليه كتب اللغة أن الحمد لا يختص بالقول، وقد اختلف العلماء في ذلك فظاهر ما ذكره الزمخشري وغيره ممن اعتبر في حده القول أنه لا يكون بغيره.

وقال زيد بن علي عليه السلام ، والرازي وحكاه ابن أبي الحديد عن الراوندي: أنه يكون بالقول وغيره.

قال زيد بن علي عليه السلام في قوله تعالى: {الحمد}: يقول الشكر لله على عباده بما أنعم عليهم، وشكرهم إياه وحمدهم إياه طاعتهم إياه فيما أمرهم به ونهاهم عنه، والكلمة جامعة لكل طاعة ونعمة؛ لأن الحمد شكر على النعم والنعم كلها من الله تعالى، والشكر واجب على الطاعة كلها؛ لأنها بالله كانت فهو أهل أن لا يعصى ولا ينسى.

وقال (الرازي) بعد أن ذكر أنه يجب علينا أن نبحث عن حقيقة الحمد وماهيته: حمد المنعم عبارة عن كل فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما، وذلك الفعل إما أن يكون فعل القلب، أو فعل اللسان، أو فعل الجوارح، أما فعل القلب فهو أن يعتقد فيه كونه موصوفا بصفات الكمال والإجلال، وأما فعل اللسان فهو أن يذكر ألفاظا دالة على كونه موصوفا بصفات الكمال، وأما فعل الجوارح فهو أن يأتي بأفعال دالة على كون ذلك المنعم موصوفا بصفات الكمال والإجلال، قال: فهذا هو المراد من الحمد.

وقال (الراوندي): الحمد والمدح يكونان بالقول والفعل، واعترضه ابن أبي الحديد فقال: لقائل أن يقول: الذي سمعناه أن التعظيم يكون بالقول والفعل، وبترك القول والفعل، قالوا: فمن قال لغيره: يا عالم فقد عظمه، ومن قام لغيره فقد عظمه، ومن ترك مد رجله بحضرة غيره فقد عظمه، ومن كف غرب لسانه عن غيره فقد عظمه، وكذلك الاستخفاف والإهانة تكون بالقول والفعل وبتركهما حسب ما قدمنا ذكره في التعظيم.

قال: فأما الحمد والمدح فلا وجه لكونهما بالفعل.

صفحة ٤٦٠