أساليب التربية والدعوة والتوجيه من خلال سورة إبراهيم
الناشر
الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات
أساليب التربية والدعوة والتوجيه
من خلال سورة إبراهيم
د. وسيم فتح الله
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد؛
1 / 1
فهذا بحث تناولت فيه سورة إبراهيم متدبرًا متفكرًا بالقدر الذي يسره الله تعالى لي، ولقد تعرضت إلى المناحي التربوية والدعوية في هذه السورة من خلال السبر والاستقراء التام لآياتها الكريمة مستعينًا - بعد الله ﷾ بما تيسرت لي مطالعته من كتب التفسير لا سيما التفسير المأثور، ولقد جاء البحث على إيجازه منبهًا على حقائق عظيمة شملتها هذه السورة المباركة، ولقد بدأته بالتمهيد ثم جاءت مباحثه الثلاثة حيث تناولت في أولها سورة إبراهيم بتعريف عام لا بد منه لمن رام تفيؤ ظلال هذه السورة، ثم عرضت في المبحث الثاني الملامح العامة لمنهج الدعوة في هذه السورة حيث حددت رسالة الدعوة ثم صفات الرسل ثم معوقات الدعوة ثم أساليب الدعوة، أما المبحث الثالث فتناولت فيه منهج التوجيه الدعوي في السورة وملامح المنهج التربوي فيها ثم لخصت أهم نقاط البحث في الخاتمة دون تفصيل شديد خشية الإطالة.
وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت فيما عرضت وأسأله العفو عما به زللت، إنه خير مأمول وأكرم مسؤول، فهو وحده المستعان وعليه التكلان.
1 / 2
تمهيد
1 / 3
لقد جاءت الشرائع السماوية المختلفة بحقيقة واحدة هي أعظم حقيقة في الكون أعني حقيقة التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١)، ولكن تنوعت أساليب وطرق عرض هذه الدعوة والتأكيد عليها من نبي إلى نبي ومن رسول إلى رسول ومن قوم إلى قوم، وليست شريعة الإسلام الخاتمة بعيدةً عن هذا التعدد الأسلوبي في عرض هذه الحقيقة الخالدة مراعاةً لتنوع مشارب الناس وأفكارهم وشبههم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢) ولا شك أن هيمنة القرآن الكريم ونسخه لما سواه من كتب يستلزم شموليةً في الخطاب تناسب كافة المشارب والمنازع الفكرية حين دعوتها إلى الحق، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) وهكذا كانت طبيعة هذا الكتاب الكريم في نفس الأمر، حيث أثبت القرآن الكريم قدرته على جذب الباحثين عن الحق
(١) سورة الأنبياء - ٢٥
(٢) سورة الكهف - ٥٤
(٣) سورة المائدة - ٤٨
1 / 4
إليه من كل عرق وحضارة ولغة ولون ليهتدوا إلى فحوى رسالته ولتكون السمة العالمية في خطابه وأسلوبه الدعوي بارزةً منذ بزوغ شمس الدعوة فإذا بالعربي يسلم مع الحبشي والروماني مع الفارسي وإذا كان الأمر كذلك ولما كنا مخاطبين بلزوم حمل الدعوة وأداء الرسالة إلى الناس كافة كان جديرًا بنا أن نقف على بعض المعالم الأسلوبية في الخطاب الدعوي القرآني لتكون زادًا للمسلم في رحلة الدعوة والجهاد البياني، ليتمكن من خلال هذه الأساليب من خرق حجب الشبهات التي تحول دون وصول نور الحق لتبديد ظلمات القلوب.
فإذا عُلم ما سبق فإن هذا البحث ليس إلا محاولة استقراء هذه الرسالة القرآنية في سورةٍ من سوره الكريمة هي سورة إبراهيم وسنرى - بإذن الله - كيف اجتمعت العديد من سمات المنهج القرآني الدعوي في هذه السورة المباركة على قصرها وإيجازها وبساطتها، وهل الإعجاز القرآني إلا هذا!
1 / 5
المبحث الأول: مدخل إلى سورة إبراهيم
جدير بنا إذ عقدنا العزم على دراسة الملامح الأسلوبية التربوية والدعوية في سورة إبراهيم أن نتعرف على هذه السورة المباركة بشيء من الإيجاز، ونتعرف على موضوعها بصورة مجملة إن شاء الله.
المطلب الأول: تعريف عام بسورة إبراهيم:
هذه السورة هي السورة الرابعة عشرة بترتيب المصحف الشريف وهي الثانية والسبعون بترتيب النزول (١) ومجموع آياتها اثنان وخمسون آية كلها مكية كما ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ (٢) ونقل مثله الإمام القرطبي عن الحسن وعكرمة وجابر، ونقل أيضًا عن ابن عباس وقتادة استثناء آيتين أو ثلاث منها نزلت في الذين حاربوا الله ورسوله وهي من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ «٣) الآيات من ٢٨ إلى ٣٠) .
(١) قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله - عبد الرحمن حبنكة - ١٢٨
(٢) تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - ٥٩٥ / ٨
(٣) الجامع لأحكام القرآن - القرطبي - ٩ / ٢٨٨
1 / 6
ولم أقف لهذه السورة أو لبعض منها على سبب نزول معين صحيح، فهي مما نزل ابتداءً لمحض الهداية، اللهم إلا ما ورد في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ حيث وردت روايات عمن نزلت فيهم هذه الآية كالتي ذكرها الإمام البخاري ﵀ عن عطاء سمع ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة" (١) ولكن هذه الروايات ليست نصًا في السببية فلا تصلح للاستثناء.
(١) فتح الباري - ابن حجر العسقلاني - ٩ / ٢٨٩
1 / 7
المطلب الثاني: الوحدة الموضوعية لسورة إبراهيم:
يقول الدكتور عبد الرحمن الميداني:" فعلى متدبر كلام الله أن يوجه عنايته ما استطاع لاكتشاف وحدة موضوع السورة القرآنية وارتباط المعاني التي اشتملت عليها جملها بهذا الموضوع الكلي.." (١) والحقيقة أن التأمل والتدبر في سورة إبراهيم يُظهر بوضوح شديد الوحدة الموضوعية فيها، بمعنى أنك تقرأ السورة من أولها إلى آخرها وأنت تعيش جوًا واحدًا وتستشعر معنى واحدًا لا تأخذك التفريعات بعيدًا عنه ولا تسمح السورة لذهنك بالشرود عنه. ولئن كان هذا هو دأب السور القرآنية كلها على تفاوتٍ في وضوح هذه الظاهرة القرآنية، فإنك لا تجد أية صعوبة في استشعار هذه الوحدة الموضوعية في سورة إبراهيم، تمامًا كما هو الحال في سور أخرى كسورة يوسف وسورة ق وسورة الرحمن حيث تبرز وحدة موضوع السورة بروزًا لا يخفى على الناظر.
وإن للتعرف على وحدة موضوع سورة إبراهيم - الذي هو الدعوة إلى التوحيد - فوائد جمة أوجزها فيما يلي:
(١) قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله - عبد الرحمن حبنكة - ٣٠
1 / 8
١- إن تأمل هذه الوحدة الموضوعية في سورة متكاملة من سور القرآن المكي يشير إلى الأهمية القصوى التي أولاها القرآن الكريم لموضوع التوحيد، لا سيما وأن هذه السورة ليست الوحيدة التي تتفرغ لموضوع التوحيد فها أنت أمام سور كالإخلاص والكافرون وغيرها، والشاهد أن إفراد السور القرآنية على تنوعها في الطول والقصر بموضوع التوحيد تأكيد على أهمية وأولوية هذه الموضوع في الخطاب القرآني.
٢- إن تأمل التنوع الأسلوبي الذي سلكته السورة في أدائها للخطاب الدعوي تؤكد على ضرورة مراعاة هذا التنويع عند خطاب المكلفين بحيث يراعى أحوال المدعوين والشبهات السائدة والعوائق المانعة من قبول الدعوة.
٣- إن الوحدة الموضوعية في سورة إبراهيم ظلت بارزةً في السورة كلها من أولها إلى آخرها وكأنها تشير للدعاة إلى مبدأ منهجي مهم وهو عدم تجاوز مسألة تقرير العقيدة والتوحيد إلى أي شيء البتة حتى يتم الفراغ من تقرير الأساس العقدي.
٤- إن الوحدة الموضوعية في هذه السورة ظهرت أيضًا في السياق التاريخي الذي سردته السورة من وقائع الأمم السابقة والرسل السابقين لتؤكد مرةً أخرى على وحدة رسالة الرسل وأن دينهم التوحيد من أولهم إلى آخرهم.
1 / 9
٥- إن الوحدة الموضوعية لسورة إبراهيم تعين المتدبر على فهم الجزئيات المذكورة في السورة ضمن هذا السياق الذي يقرر الفاصل والفارق بين الإيمان والكفر؛ بحيث إن كل انقياد لأمر وارد في هذه السورة يمثل طريقًا لتحقيق الإيمان، تمامًا كما أن كل مخالفة لأمر وارد أو تلبُّسٍ بمنهيٍ عنه في السورة يشكل موردًا من موارد الكفر إن لم يكن كفرًا بعينه، وتدبُّر هذا دقيق جدًا كما سيظهر معنا في مثال لاحق عند الحديث عن كفران النعم إن شاء الله.
هذه بعض الملامح العامة التي أحببت أن أستهل بها رحلتنا في رحاب هذه السورة المباركة، ولسوف تتضح إن شاء الله أبعاد هذه الفوائد بشكل أدق في سياق استعراض جزئيات السورة، فهلم متكلين على الله، رب يسِّر وأعِن.
1 / 10