موسوعة بيت المقدس وبلاد الشام الحديثية
الناشر
مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م
مكان النشر
قبرص
كلمة المركز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فقد اتخذ مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية لنفسه منذ ولادته هدفًا ينشده، وهو كشف زور الأعداء، ومحاربة مخططاتهم، وغاية يطلبها وهي إعادة بيت المقدس إلى حاضرة الإسلام، وهذا الهدف وتلك الغاية كان ينبغي ليتم تحصيلها القيام بسلسلة من الإجراءات والأعمال التي توضح -وبنفس الوقت تذيب شُبَه الأعداء -مكانة هذه المنطقة الأسيرة -بيت المقدس- في تراثنا الإسلامي، فهو يؤصل لبيت المقدس تأصيلًا شرعيًّا، علاوة على التأصيل التاريخي، هذان العاملان كفيلان في إعادة اللحمة بين المسلمين، وكفيلان أيضًا في رفع الظلم والاستبداد الذي يقع على أهلنا هناك.
إن بيت المقدس له أهميته البالغة في نظر الإسلام؛ كيف لا ونحن نردد قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١] علاوة على الأحاديث الكثيرة التي تشير إلى أهمية هذه المنطقة.
ومن هنا فإن المركز لا يسأم ولا يتردد في إيجاد كل ما من شأنه أن يطرح على الساحة الفكرية لدى الناس ما له صلة بنظام الإسلام لا سيَّما العقدي، والتشريعي منه، فكانت هذه الموسوعة، التي تعد إصدارًا آخر من إصداراته
1 / 1
الفريدة من نوعها، والمتعلقة ببيت المقدس والشام، ليرى القارئ الكريم ذلك السفر العجيب من أحاديث رسولنا الكريم المأثورة حول هذه المنطقة، ليعلم بعد ذلك ما الدور الموكول على عاتقه تجاه تلك المسألة العقدية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المركز -كغيره من الجهود- حريص على عدم ترك تصنيع الساحة الفكرية للمسلمين للأعداء، بل هو يُكَّرِسُ جهده، ويُعدِّد إصداراته، ويُكْثر حواراته حتى يتحقق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٥ - ٧].
وعلى هذا يكون الهدف من عمل هذه الموسوعة يمكن أن يتبلور فيما يلي:
بيان أهمية بيت المقدس على لسان المصطفى ﷺ.
تنقية التراث الحديثي المقدسي، وذلك ببيان صحيحه من ضعيفه.
لتكون هذه الموسوعة مرجعًا للباحثين وطلاب العلم والدعاة.
إذكاء روح التعلق ببيت المقدس في نفوس المسلمين.
هذا واللَّه نسأل أن يؤول هذا الجهد مبكرًا لتحقيق النبوة الإلهية الواردة في تلك الآيات، وأن يثيبنا على سعينا، ويرشدنا طرق الهداية والرشاد.
وصلى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
1 / 2
تقديم
الحمد للَّه مُعز الإسلام بنصره، ومُذل الشرك بقهره، ومُصَّرف الأمور بأمره، ومُزيد النعم بشكره، ومُستدرج الكافرين بمكره، الذي قدَّر الأيام دولًا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على العباد من طلِّه وهطله، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يُمانَع، والظاهر على خليقته فلا يُنارع، الآمر بما يشاء فلا يُراجَع، والحاكم بما يريد فلا يُدافَع، أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه، ونصرة أنصاره، ومطهر بيت المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر إجهاره، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، شهادة من طهَّر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رافع الشك، وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى ﷺ وعلى خليفته الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين وجامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأصنام، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. (^١)
(^١) هذا المصدر من أول خطبة ألقيت في المسجد الأقصى في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي، ألقاها القاضي محيي الدين بن الزكي، ذكر فيها فضائل المسجد الأقصى وكان أول ما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عند ذلك تلي التنزيل وجاء الحق وبطلت الأباطيل، وصفَّت السجادات، وكثرت السجدات، وتنوعت العبادات، وارتفعت الدعوات، ونزلت البركات، وانجلت الكربات، وأقيمت الصلوات، وأذن المؤذنون، وخرس القسيسون، وزال البوس، وطابت النفوس، =
1 / 3
أمَّا بعد
فإن المسجد الأقصى يمثل عند المسلمين عقيدة راسخة لا تزول ولا تتغير؛ فإنه أول القبلتين وثاني المسجدين، لا يشد الرحل بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، وإليه أسري بالنبي ﷺ وصلى فيه بالأنبياء والرسل، ومنه كان المعراج إلى السموات العلى، وهو أرض المحشر والمنشر يوم التلاق، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، فقدره عظيم، وشرفه كبير، والإيمان بفضله وشرفه عقيدة، والجهاد لتحريره عزة، والتخاذل عن نصره ذلة، والرضى بكونه مأسورًا ومدنسًا نفاق وخسة؛ لذا فإن الصراع بيننا وبين اليهود وحلفائهم ليس صراع أرض وحدود، وانما هو صراع عقيدة ووجود، ومن نظر إلى قضية القدس بغير هذا المنظور فهو جاهل ظلوم قد تجاوز الحدود، فاليهود يخوضون ضدنا حربًا دينية، ويتقربون إلى اللَّه -زعموا- بتخريب بلادنا، وافساد أخلاقنا، وتدمير اقتصادنا، ونحن نقاوم ذلك تحت راية القومية العربية، وليست تحت راية الدعوة الإسلامية، حتى هذه القومية المزعومة لم تحرك ساكنًا، أو تغير واقعًا لمَّا ناداهم الأقصى:
نادى على أهله الأقصى فما انتفضت ... إلا الحجارة تفديه وتحميه
يا ألف مليون مخلوق لو ائتلفوا ... لزلزلوا الكون دانيه وقاصيه
لعلَّنا إن سمعنا صوت نائحة .... واإخوتاه انتفضنا كي نلبيه
وفي المقابل ترى اليهود يعلنونها بكل صراحة: إن حربنا معكم مقدسة، في البروتوكول الخامس من بروتوكولات حكماء صهيون يقولون: إننا نقرأ في
= وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس، وعُبد اللَّه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وكبره الراكع والساجد والقائم والقاعد، وامتلأ الجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع، وقد صدرت القول بها تيمنًا لعلَّنا نسمع مثلها عن قريب، ووقتئذٍ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه.
1 / 4
شريعة الأنبياء: أننا مختارون من اللَّه لنحكم الأرض. وفي صحيفة يديعوت أحرنوت اليهودية نشرت مقالًا في ١١/ ٣/ ١٩٨٧ م جاء فيه: إنَّ على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة مهمة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا، ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن تلك المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا تلك في استمرار منع استيقاظ الروح الدينية بأي شكل وبأي أسلوب ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف لإخماد أي بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا.
وعندما أُعلنت دولة إسرائيل دولة لها كيانها واستقلالها -لا أقامها اللَّه- قام أول رئيس للوزراء وهو بن جوريون في هيئة الأمم المتحدة وقال على الملأ: قد لا يكون لنا الحق في فلسطين من منظور سياسي أو قانوني ولكن لنا الحق في فلسطين من منظور ديني، فهي أرض الموعد التي وعدنا اللَّه إياها من النيل إلى الفرات، وإنه يجب الآن على كل يهودي في أنحاء العالم بعد قيام دولة إسرائيل أن يهاجر إلى فلسطين، فإن كل يهودي لا يهاجر اليوم إلى أرض فلسطين فإنه يكفر كل يوم بالدين اليهودي.
ومع هذا التصريح والبيان من غير تلميح نرى بين صفوفنا قومًا يصرون على أن الدين لا دخل له في صراعنا مع اليهود:
أحل الكفر بالإسلام ضيمًا ... يطول عليه للدين النحيب
فحق ضائع وحمى مباح ... وسيف قاطع ودم صبيب
وكم من مسلم أمسى سليبًا ... ومسلمة لها حرم سليب
1 / 5
وكم من مسجد جعلوه ديرًا ... على محرابه نصب الصليب
دم الخنزير فيه لهم خلوق ... وتحريق المصاحف فيه طيب
أمور لو تأملهن طفل ... لطفل في عوارضه المشيب
أتسبى المسلمات بكل ثغر ... وعيش المسلمين إذًا يطيب
أما للَّه والإسلام حق ... يدافع عنه شبان وشيب
فقل لذوي البصائر حيث كانوا ... أجيبوا اللَّه ويحكمُ أجيبوا
فالقدس لن تعود إلا بالمؤمنين أصحاب العقيدة التي تقدس البيت المقدس وتطأ اليهود والشرك المدنس، ولا عزة إلا بهذا.
في العام السادس عشر من الهجرة النبوية تم فتح بيت المقدس على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولما قدم عمر وصلى في المسجد الأقصى أراد عمر ﵁ أن يجهر بهذه العقيدة، فلما قدم بيت المقدس عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض صنعت كذا وكذا قال: فصك في صدره وقال: لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم اللَّه بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم اللَّه. نعم واللَّه يا عمر لا عزة ولا نصرة ولا فلاح إلا باللَّه ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
وفي محاولة منَّا لنصرة قضية المسلمين في فلسطين شمرنا عن ساعد الجد، لجمع كل ما ورد في كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ عن هذه البقعة المباركة على وجه الخصوص وعن بلاد الشام قاطبةً على وجه العموم.
فلعل غافلًا ينتبه، وجاهلًا يتعلم، وناسًا يتذكر، وعالمًا يزداد علمًا ويقينًا.
(^٢) المنافقون: ٨.
1 / 6
ولربما استيقظت أمة من سباتها لتسترد مجدًا قد سلب منها، وأرضًا قد حُبسنا عنها، ومسجدًا قد شكى إلى اللَّه منَّا.
فجمعنا في ذلك ما ورد من الآيات، وما ثبت أو لم يثبت عن كل الأنبياء، وما أُثر عن الصحابة والتابعين والعلماء؛ ليكتمل البناء، ويتضح المقال، وينكشف ما كان مخبأً في ثنايا السطور والمصنفات، فغدت هذه الموسوعة بحمد اللَّه جامعةً لكل الفضائل والآيات، ومبينة فضل هذه البلاد على غيرها من الجارات سوى مكة والمدينة؛ فهما موطن الشرف ومهبط الوحي والفرقان.
1 / 7
تنبيه ونصيحة
اعلم أن اللَّه ﵎ قد شرَّف بقاعًا على بقاع، ومواضع على مواضع، وشرَّف أمكنة بفضائل متعددة، وأخرى لا نصيب لها من أي فضيلة، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، وليست العبرة بذكر هذه الفضائل وحسب، إنما بانتفاع الإنسان بها، والحرص على الخير أينما حلّ وارتحل.
فلو جاور عند الكعبة وهي أشرف البقاع وعمد إلى المعاصي وغفل عن الطاعات فإنه لا ينتفع بشرف هذه المجاورة؛ فالفضل الذي لا خلاف فيه إنما يكمن في طاعة اللَّه وطاعة رسوله ﷺ أي مكان كان، في أي بقعة كانت.
قال شيخ الإسلام ﵀: الإقامة في كل موضع يكون الإنسان فيه أطوع للَّه ورسوله، وأفعل للحسنات والخير، بحيث يكون أعلم بذلك، وأقدر عليه، وأنشط له، أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه في طاعة اللَّه ورسوله دون ذلك. هذا هو الأصل الجامع؛ فإن أكرم الخلق عند اللَّه أتقاهم.
والتقوى هي: ما فسّرها اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. . .﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (^٣)، وجماعها فعل ما أمر اللَّه به ورسوله، وترك ما نهى اللَّه عنه ورسوله ﷺ.
وإذا كان هذا هو الأصل فهذا يتنوع بتنوع حال الإنسان، فقد يكون مقام الرجل في أرض الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل إذا كان مجاهدًا في سبيل اللَّه بيده أو لسانه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، بحيث لو انتقل عنها إلى أرض الإيمان والطاعة لقلَّت حسناته، ولم يكن فيها مجاهدًا، وإن كان أروح قلبًا، وكذلك إذا عدم الخير الذي كان يفعله في أماكن الفجور والبدع.
(^٣) البقرة: ١٧٧.
1 / 8
ولهذا كان المقام في الثغور بنية المرابطة في سبيل اللَّه تعالى أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق العلماء؛ فإن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج، كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . .﴾ الآية (^٤).
وسُئل النبي ﷺ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:"حَجٌّ مَبْرُورٌ".
وهكذا لو كان عاجزًا عن الهجرة والانتقال إلى المكان الأفضل الذي لو انتقل إليه لكانت الطاعة عليه أهون، وطاعة اللَّه ورسوله في الموضعين واحدة؛ لكنها هناك أشق عليه، فإنه إذا استوت الطاعتان فأشقهما أفضل؛ وبهذا ناظَر مهاجرة الحبشة المقيمون بين الكفار لمن زعم أنه أفضل منهم، فقالوا: كنا عند البغضاء البعداء وأنتم عند رسول اللَّه ﷺ يعلِّم جاهلكم، ويطعم جائعكم، وذلك في ذات اللَّه.
وأمَّا إذا كان دينه هناك أنقص فالانتقال أفضل له، وهذا حال غالب الخلق؛ فإن أكثرهم لا يدافعون؛ بل يكونون على دين الجمهور.
فإن كون الأرض "دار كفر" أو "دار إسلام أو إيمان" أو "دار سلم" أو "حرب" أو "دار طاعة" أو "معصية" أو "دار المؤمنين" أو "الفاسقين" أوصاف عارضة، لا لازمة، فقد تنتقل من وصف إلى وصف كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس.
وأمَّا الفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان ففي الإيمان والعمل الصالح، كما
(^٤) التوبة: ١٩ - ٢٠.
1 / 9
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. . .﴾ الآية (^٥). وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية (^٦).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (^٧).
وإسلام الوجه للَّه تعالى هو إخلاص القصد والعمل له والتوكل عليه كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٨)، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (^٩)، وقال تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (^١٠).
ومنذ أقام اللَّه حجته على أهل الأرض بخاتم رسله محمد عبده ورسول ﷺ وجب على أهل الأرض الإيمان به وطاعته، واتباع شريعته ومنهاجه، فأفضل الخلق وأعلمهم وأتبعهم لما جاء به علمًا، وحالًا، وقولًا، وعملًا، هم أتقى الخلق. وأي مكان وعمل كان أعون للشخص على هذا المقصود كان أفضل في حقه؛ وإن كان الأفضل في حق غيره شيئًا آخر. ثم إذا فعل كل شخص ما هو أفضل
(^٥) البقرة: ٦٢.
(^٦) البقرة: ١١١ - ١١٢.
(^٧) النساء: ١٢٥.
(^٨) الفاتحة: ٥.
(^٩) هود: ١٢٣.
(^١٠) هود: ٨٨.
1 / 10