المجموع المذهب في قواعد المذهب

الناشر

دار عمار ؛ مكة المكرمة : المكتبة المكية

بسو الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه ، وسلم، رب يسر وأعن، واختم بخير يا كريم.

الحمد لله الفاتح أبواب المعارف لطالبها، المانح أسباب العوارف لراغبها، الموضح سبل الهداية لسالك سباسبها ، المنجح مقاصد ذوي العناية في اقتفاء مذاهبها.

أحمده، والقيام بشكره من جزيل نعمه، وأستعيذ به من بأسه ونقمه، وأشهد أن لا إله إلا الل وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها من هول الكرب، وتملأ له سجل المواهب إلى عقد الكرب. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم الرسل الكرام، المنير بهدا حنادس الظلام، الداعي إلى الفوز بدار السلام ، البالغ بشرفه إلى أعلى مقام صلى الله عليه وعلى آله الذين شرفوا بالانتساب إليه، وأصحابه الذين نقلوا سننه، وجاهدوا بين يديه صلاة لا يحصى عددها، ولا ينقضي أمدها، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: فإن العلم أشرف المطالب وأعلاها، وأنجح الرغائب وأسناها، وأهم الأمور بالعناية وأولاها، وأتم العبادات أجرا وأوفاها. بين الله تعالى شرفه وفضله. وميز في الشهادة.

اله بالوحدانية حملته وأهله، واختصهم بخشيته ورفع الدرجات، وأنهم الذين يعقلون عنه.

وبت في صدورهم الآيات البينات، ونبه نبيه على فضلهم في غير ما حديث، واتفق العقلاء على أنهم القادة الأخيار في القديم والحديث.

قال تعالى: (قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألبب) [الزمر:، وقال تعالى: ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملكيكة وأؤلوا العلو) [آل عمران: 18].

صفحة غير معروفة

وقال تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلمكوأ ) [فاطر: 28]، وقال سبحانه وتعالى: يرفع الله الذين *امنوا منكم والذين أوتوأ العلر درجت) [المجادلة: 11]، وقال تعالى: وتللك الأمثل نضريها للناس وما يعقلها إلا العلمون) [العنكبوت: 43]، وقال سبحانه: { بل هو مايكث بيني في صدور الزيب أوتوا العلة) (العنكبوت: 49].

وقال ه: "من سلك طريقا يطلب فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ادرهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر". رواه أبو داود، وابن اماجه، في سننهما من حديث أبي الدرداء، بإسناد حسن. والجملة الأولى منه في الصحيح من وجه آخر.

صفحة غير معروفة

وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "لا حسد إلا في اثنتين، رجل اتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" وفي سنن ابن ماجه: عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله قال: "يشفع يوم 0 القيامة ثلاثة : الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء".

اقال بعض أهل العلم: أعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة.

قال أبو مسلم الخولاني رحمه الله: مثل العلماء في الأرض: مثل النجوم في السماء ،ل إذا بدت للناس اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا، ومثل الصالحين: مثل الأميال في الأرض، ينجو بها السالك من الضلالة.

وعن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما قالا: باب من العلم نتعلمه أحث إلينا من ألف ركعة تطوع.

صفحة غير معروفة

وعن عمر رضي الله عنه: لموت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت العاقل البصير بحلال الله وحرامه.

الى غير ذلك من الآثار الكثيرة. وما أحسن ما قاله الإمام أبو القاسم الزمخشري رحمه الله فضيلة فيها سناء وجدت العلم من هاتيك أسنى لا تعتد غير العلم ذخرأ فإن العلم كنز ليس يغنى4 ام أفضل العلوم بعد معرفة الله تعالى، معرفة تكاليفه، وأحكامه، وما يتعبد به المكلف ففي نقضه وإبرامه، وهو علم الفقه المستنبط من الكتاب والسنة، الكافل لمن قام به على الوجه المأمور به، الفوز بالجنة، لما فيه من النفع العام لجميع الأنام ، وتمييز الصحيح من الباطل، والحلال والحرام، والإرشاد إلى المطالب الدينية، والمصالح المرعية، والهدى والسداد، والأحكام المتعلقة بالعباد.

قال الله تعالى: (فلؤلانفرمن كلفرقةمنهمطآيفة ليتفقهوأفيالدبينولينذرواقومهمإذا ججوا إليهملعلهيريحذروب) (التوبة: 122].

وفي الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول: "من يردالله به خيرا يفقهه في الدين".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"

صفحة غير معروفة

وفي جامع الترمذي : عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله الاخصلتان لا يجتمعان في منافق : حسن السمت، وفقه في الدين"(11.

وروي عنه ل أنه قال: "ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين".

وقال علي الأزدي : سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن الجهاد، فقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟ا تبني مسجدا فتعلم فيه القران والفقه في الدين).

و عن يحيى بن أبي كثير في قوله تعالى: (وأصبر نفسك مع الذينيدعوبرتبهم بالغدوة7) والشى يرييدونوجهير) [الكهف: 28]، قال: مجالس الفقه.

وقال عطاء الخراساني في قوله : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا

صفحة غير معروفة

رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر".

قال عطاء: مجالس الذكر: هي مجالس الحلال والحرام، كيف يشتري، ويبيع ويصلي، ويصوم، وينكح، ويطلق، وأشباه هذا.

وقال سفيان بن عيينة: لم يعط أحد بعد النبوة شيئا، أفضل من العلم والفقه.

ولله در القائل: كل العلوم سوى القران مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين ولقد أحسن الآخر في قوله: الحلما بعيد عوره أنما العلم بور زاخر ليلق الفقه منه تحتوي شرف الدنيا وفوز الآخرة5 ولما كان الفقه بهذه المرتبة الشريفة، والمزايا المنيفة، كان الاهتمام به هو المقصد الأعلى، والأحرى بالتقديم والأولى. ولقد أقام الله تعالى له في كل عصر أئمة مبرزين وعلماء لقصب الستبق محرزين، فتنوعوا في تصنيفه وترصيفه وتأليفه ما بين مسهبين وموجزين. حتى إن من تصدى الآن لتصنيف كتاب، مختصر أو مطول، لم يكن له موقع ولا عليه معول، وإنما ينبغي الاهتمام بتنقيح المواضع المغفلة، وتفصيل الأمور المجملة وسلوك الطرائق التي هي في الأكثر مهملة.

صفحة غير معروفة

وقد قال بعض الأئمة المتقدمين : الأقسام السبعة التي لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها هي: اما شيء لم يسبق إليه يخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء.

طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه يصلحه.

وكان من أحسن ما يعانيه الفقيه المتقن، والنبيه المحسن، معرفة القواعد الكلية والمقاصد المرعية، وما يتخرج من الفروع عليها، ويرجع من الشوارد المفرقة إليها. وهي الطريق التي خفيت مسالكها، وصعبت مداركها، وقل المعتني بها، وكثر تاركها، ولا يوجد امنها إلا إشارات غير مجتمعة، ومختصرات ليست بموضحة ولا مقنحة لفاستخرت الله تعالى، وسألته الهداية إلى الصواب، في جمع هذا الكتاب، الممي القشر عن اللباب، في هذا النوع البديع، والأسلوب الصنيع، ذاكرا من ذلك ما يسر له عالى الوصول إليه من المسائل المخرجة على قواعد أصول الفقه، أو القواعد الفقهية ومن المسائل المتشابهة في المعنى، والتي يرجع الخلاف فيها إلى أصل واحد، أو ينظر إحداهما بالأخرى، ومن الأقسام الجامعة لمواقع معتبرة من الفقه، ومن المسائل النادرة اي شذت عن النظائر، واستثنيت من القواعد. إلى غير ذلك من النكت الفائقة والطائف الرائقة، غير مدع استيعاب هذه الأنواع ولا مقاربته، بل أثبت فيه ما أمكن الوقوف عليه واستحضاره، ونبهت بما ذكرته على ما عداه لمن يظفر به، فيلحقه بنظائره ويرصعه مع جواهره.

والذي بعثني على جمع هذا الكتاب، ما وقفت عليه من تعليق في هذا المعنى للعلامة الأوحد صدر السدين أبي عبد الله بن

صفحة غير معروفة

المرجل، أحد الأئمة الذين رأيتهم وسماه بالأشباه والنظائر، وتمم عليه ابن أخيه، صاحبنا العلامة زين الدين، رحمهما الله تعالى عدة مسائل. فضممت الى ذلك ما يشبهه من كتاب التلخيص للإمام أبي عباس أحمد بن القاص الطبري، وما وقفت عليه من بعض شروحه، وكتاب الرونق المنسوب إلى الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكتاب اللباب، للإمام أبي الحسن

صفحة غير معروفة

المحاملي، وكتاب القواعد الذي اخترعه شيخ الإسلام، عزالدين بن عبد السلام رحمه الله، وهو الكتاب الذي لا نظير له في بابه، وكتاب الفروق(14 بين الواعد، للعلامة شهاب الدين القرافي، وما أكثر فوائده، إلى ما علقته عن شيخينا العلامتين الرباني أبي إسحاق الفزاري، وشيخ الإسلام أبي المعالي الأنصاري

صفحة غير معروفة

في ذلك كله الاختصار. والإشارة إلى رؤوس المسائل، دون الاحتجاج وتقرير الدلائل، إلا في مواضع يسيرة جدا، فإن ذلك مقرر في مواضعه.

وبدأت أولا، بالضابط الجامع لأبواب الفقه كلها، الذي أملاه علي ارتجالا شيخنا إمام الأئمة أبو المعالي - رحمه الله - وما يشبههه في بعضها، ثم بتقسيم لأبواب الفقه كلها بالنسبة الى نوعي الحكم الشرعي، من خطاب التكليف، وخطاب الوضع، ثم ذكرت القواعد الخمس، التي ترجع جميع مسائل الفقه إليها، مع بيان ذلك، والإشارة إلى قطعة من مسائلها، ثم سردت بعد ذلك القواعد، مبتدئا بالأهم فالأهم منها، ثم ختمت بالمسائل المنفردة عن أصولها، وما أشبه ذلك.

وبالله تعالى أستعين وأعتضد، وعليه أتوكل وأعتمد، وإياه أسأل الإعانة والتوفيق للصواب والإبانة. وإليه أرغب في النفع بذلك في الدنيا والآخرة، وأن يبقى عملا صالحا بعد النزول في الحافرة، وأن لا يجعل صفقتنا في العلم خاسرة، بمنه، وطوله، وقوته، وحوله، إنهل

فصل

ابالاجابة جدير، وهو على ما يشاء قدير.

الفقه : هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسبة عن أدلتها التفصيلية وبيان هذا قرر في موضعه.

وهذه الأحكام منحصرة في جلب المصالح، ودرء المفاسد، لأن الشريعة كلها مبنية على الذلك. أما جلب المصالح: فإما أن يكون المقصود الأعظم من تحصيلها في الآخرة، أو في الدنيا.

أما النوع الأول: فهي العبادات بأنواعها.

فمنها: الصلوات المشروعة بأنواعها، وشروطها، وسوابقها، ولواحقها، ويدخل في لك أبواب الطهارات كلها، ومقدمات صلاة الجنازة، من غسل الميت، وتطهيره، وما ايستتبعه من الكفن، والدفن، والتعزية.

صفحة غير معروفة