المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل
محقق
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر
مؤسسة الرسالة
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٠١
مكان النشر
بيروت
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم نحمدك يَا من هُوَ مَحْمُود بِكُل لِسَان
حمد من اتّصف بِالْإِيمَان بقوله وَعَمله والجنان
وننزهك يَا من لَيْسَ كمثله شَيْء فَلَا يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن
وَلَا يَخْلُو من علمه مَكَان
عَن كل مَا يصفك بِهِ أولو الزيغ والطغيان
والافتراء والبهتان
نصفك بِمَا وصفت بِهِ نَفسك فِي كتابك الْمنزل
وَبِمَا بلغنَا عَن نبيك الْمُصْطَفى الْمُرْسل
من غير تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل
وَلَا تَأْوِيل وَلَا تَعْطِيل
وَنكل علم حَقِيقَة ذَلِك إِلَيْك يَا وَاجِب الْوُجُود
وَيَا مفيض الْكَرم على عِبَادك والجود
سُبْحَانَكَ لَا تمثلك الْعُقُول بالتفكير
وَلَا تتوهمك الْقُلُوب بالتصوير
فالخلق عاجزون عَن كنه الْحَقِيقَة
وَلَو خبروا الْعلم بأجمعه ودقيقه
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك شَهَادَة مقرّ بالعبودية لَا يَجْعَل بَيْنك وَبَينه أندادا
وَلَا ينقاد إِلَّا إِلَى شرعك الَّذِي أوحيته إِلَى نبيك انقيادا
ويجتهد فِيمَا يرضيك من الِاعْتِقَاد وَالْعَمَل اجْتِهَادًا
عله أَن يبلغ من رضاك ورحمتك مرَادا
وَأَن ترزقه فِي دُنْيَاهُ وأخراه إسعادا
ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك خير خلقك ومهبط
1 / 41
وحيك والمبلغ لشرعك والأمين على مَا أنزلت عَلَيْهِ من كتابك وَدينك ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ آل عمرَان ١٩
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه عُمُوما البررة الْكِرَام السَّادة الْأَعْلَام
مَا سرت فِي ميادين الطروس وعَلى جباهها الأقلام
وَمَا غردت حمائم الأيك على الصون
وأطرب العيس حادي العيس بألطف الْأَلْفَاظ وأعذب اللحون
واستنبط من الْكتاب الْعَزِيز وَمَا صَحَّ عَن الْمُصْطَفى الْمُخْتَار أدق الْمعَانِي المستنبطون وَسلم تَسْلِيمًا
أما بعد فَيَقُول الْفَقِير لعفو ربه المنان عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن مصطفى بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد الْمَشْهُور كأسلافه بِابْن بدران أنني لما من الله عَليّ بِطَلَب الْعلم هجرت لَهُ الوطن والوسن وَكنت أبكر فِيهِ بكور الْغُرَاب وأطوف الْمعَاهد لتحصيله وأذهب فِيهِ كل مَذْهَب وأتبع فِيهِ كل شعب وَلَو كَانَ عسرا أشرف على كل يفاع كل غور فَتَارَة أطوح بنفسي فِيمَا سلكه ابْن سينا فِي الشفار والإشارات وَتارَة أتلقف مَا سبكه أَبُو نصر الفارابي من صناعَة الْمنطق وَتلك الْعبارَات
وَتارَة أجول فِي مَوَاقِف الْمَقَاصِد والمواقف
وَأَحْيَانا أطلب الْهِدَايَة ظنا مني أَنَّهَا تهدي إِلَى رشد
فأضم إِلَيْهَا مَا سلكه ابْن رشد
ثمَّ أردد فِي الطبيعي والإلهي نظرا
وَفِي تشريح الأفلاك أتطلب خَبرا أَو خَبرا
ثمَّ أجول فِي ميادين الْعُلُوم مُدَّة كعدد السَّبع الْبَقَرَات الْعِجَاف فأرتد إِلَيّ الطّرف خاسئا وَهُوَ حسير وَلم أحصل من معرفَة الله ﷻ إِلَّا على أَوْهَام وخطرات وساوس وأشكال تنشأ من الْبَحْث والتدقيق فأدفعه بِمَا أقنع نَفسِي بنفسي فَلَمَّا هَمت فِي تِلْكَ الْبَيْدَاء الَّتِي هِيَ على حد قَول أبي الطّيب يَتلون الخريت من خوف التوى فِيهَا كَمَا تلون الحرباء
1 / 42
ناداني مُنَادِي الْهدى الْحَقِيقِيّ هَلُمَّ إِلَى الشّرف والكمال ودع نجاة ابْن سينا الموهومة إِلَى النجَاة الْحَقِيقِيَّة وَمَا ذَلِك إِلَّا بِأَن تكون على مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف الْكِرَام من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان فَإِن الْأَمر لَيْسَ على مَا تتوهم وَحَقِيقَة الرب لَا يُمكن أَن يُدْرِكهَا المربوب وَمَا السَّلامَة إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ وَكتاب الله حق وَلَيْسَ بعد الْحق إِلَّا الضلال
فهنالك هدأ روعي وَجعلت عقيدتي كتاب الله أكل علم صِفَاته إِلَيْهِ بِلَا تجسيم وَلَا تَأْوِيل وَلَا تَشْبِيه وَلَا تَعْطِيل وانجلى مَا كَانَ على قلبِي من رأن أورثته قَوَاعِد أرسطوطاليس وَقلت مَا كَانَ إِلَّا من النّظر فِي تِلْكَ الوساوس والبدع والدسائس فَمن أَيْن لعباد الْكَوَاكِب أَن يرشدونا إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَمَا كَانُوا مهتدين
وَمن أَيْن لأَصْحَاب المقالات أَن يعلمُوا حَقِيقَة قيوم الأَرْض وَالسَّمَوَات وَلَو كَانَت حَقِيقَة صِفَات الله تَعَالَى تدْرك بالعقول لوصل أَصْحَاب رسائل إخْوَان الصفاء إِلَى الصَّفَا ولاتصل صَاحب النَّجَاء والشفاء إِلَى النجَاة وغليل لبه وشفا وَلَكِن ﴿وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وَأَيْنَ هم من قَوْله ﷺ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة لَكِن من اتبع هَوَاهُ هام فِي كل وَاد وَلم يبال بِأَيّ شعب سلك وَلَا بِأَيّ طَرِيق هلك
1 / 43
فَمن ثمَّ جعلت شغلي كتاب الله تدريسا وتفسيرا أَو بِسنة نبيه الْمُخْتَار قِرَاءَة أَيْضا وشرحا وتحريرا فَللَّه الْحَمد على هَذِه الْمِنَّة وأسأله الثَّبَات على ذَلِك وازدياد النِّعْمَة ثمَّ إِنِّي زججت نَفسِي فِي بحار الْأُصُول وَالْفُرُوع والبحث عَن الْأَدِلَّة حَتَّى لَا أكون منقادا لكل قَائِد وَلَا مُقَلدًا تقليدا أعمى لمن يَقُودهُ فَإِن هَذِه حَالَة لَا يرضى بهَا الصّبيان فضلا عَمَّن أُوتِيَ شَيْئا من الْعقل ثمَّ سبرت الْمذَاهب المتبوعة الْآن وَكَثِيرًا من غير المتبوعة فَوجدت كلا مِنْهُم قدس الله أسرارهم وَجعل فِي عليين مَنَازِلهمْ قد اجْتهد فِي طلب الْحق وَلم يأل جهدا فِي طلبه وَلَا قصر فِي اجْتِهَاده بل قَامَ بِمَا عهد إِلَيْهِ حق الْقيام ونصح الْأمة واجتنب كل مَا يشين غير أَن الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل ﵁ كَانَ أوسعهم معرفَة بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ كَمَا يعلم من اطلع على مُسْنده الْمَشْهُور وَأَكْثَرهم تتبعا لمذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَلذَلِك كَانَ مذْهبه مؤيدا بالأدلة السمعية حَتَّى كَأَنَّهُ ظهر فِي الْقرن الأول لشدَّة اتِّبَاعه لِلْقُرْآنِ وَالسّنة إِلَّا أَنه كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى لشدَّة ورعه ينْهَى عَن كِتَابَة كَلَامه ليبقي بَاب الِاجْتِهَاد لمن هُوَ أهل لَهُ مَفْتُوحًا وليعلم الْقَوْم أَن فضل الله لَا يَنْقَطِع وَأَن خزائنه لم تنفذ على عكس مَا يَدعِيهِ القاصرون وينتحله المبطلون ولحسن نِيَّته قيض الله من دون فَتَاوَاهُ وَجَمعهَا ورتبها حَتَّى صَار لَهُ مَذْهَب مُسْتَقل مَعْدُود بَين
1 / 44
الْأَئِمَّة الَّذين دونوا وألفوا ثمَّ هيأ الله لَهُ أتباعا وأصحابا سلكوا فِي رواياته مَسْلَك الِاجْتِهَاد كَمَا تعلمه مِمَّا سَيَأْتِي وألفوا فِي ذَلِك المطولات والمتوسطات والمختصرات فجزاهم الله خيرا غير أَنهم تركُوا اصْطِلَاحَات مُتَفَرِّقَة فِي غُضُون الْكتب لَا يعلمهَا إِلَّا المتقنون وسلكوا مسالك لَا يُدْرِكهَا إِلَّا المحصلون وَأصَاب هَذَا الْمَذْهَب مَا أصَاب غَيره من تشَتت كتبه حَتَّى آلت إِلَى الاندراس وأكب النَّاس على الدُّنْيَا فنظروا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ منهل سنة وَفقه صَحِيح لَا مورد مَال فهجره كثير مِمَّن كَانَ مُتبعا لَهُ رَجَاء طلب قَضَاء أَو وَظِيفَة فَمن ثمَّ تقلص ظله من بِلَادنَا السورية وخصوصا فِي دمشق إِلَّا قَلِيلا وأشرق نوره فِي الْبِلَاد النجدية من جَزِيرَة الْعَرَب وهب قوم كرام مِنْهُم لطبع كتبه وأنفقوا الْأَمْوَال الطائلة لإحياء هَذَا الْمَذْهَب لَا يطْلبُونَ بذلك إِلَّا وَجه الله تَعَالَى وَلَا يقصدون إِلَّا إحْيَاء مَذْهَب السّلف وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون فجزاهم الله خيرا وَأحسن إِلَيْهِم على أَن قوما من أولي التَّقْلِيد الْأَعْمَى أسراء الْوَهم والخيالات الْفَاسِدَة وَالْجهل الْمركب يطعنون فِي أُولَئِكَ وينفرون النَّاس مِنْهُم وَمَا ذَلِك إِلَّا أَن الله أَرَادَ بأولئك الْقَوْم خيرا فاظهر لَهُم أَعدَاء لينشروا فَضلهمْ من حَيْثُ لَا يعلمُونَ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ الشُّعَرَاء ٢٢٧ وَمَا هَؤُلَاءِ إِلَّا على حد مَا حَكَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن عَسَاكِر الدِّمَشْقِي فِي أَوَائِل تَارِيخه عَن أبي يحيى السكرِي قَالَ دخلت مَسْجِد دمشق فَرَأَيْت بِهِ حلقا فَقلت هَذَا بلد دخله جمَاعَة من الصَّحَابَة فملت إِلَى حَلقَة فِي صدرها شيخ جَالس فَجَلَست إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رجل أَمَامه من عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ خفاق يَعْنِي ضَعِيفا كَانَ بالعراق اجْتمعت عَلَيْهِ جمَاعَة فقصد أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يحاربه فنصره الله عَلَيْهِ قَالَ فاستعظمت ذَلِك وَقمت فَرَأَيْت فِي جَانب
1 / 45
الْمَسْجِد شَيخا يُصَلِّي إِلَى سَارِيَة حسن السمة وَالصَّلَاة والهيئة فَقلت لَهُ يَا شيخ أَنا رجل من أهل الْعرَاق جَلَست إِلَى تِلْكَ الْحلقَة وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ فِي هَذَا الْمَسْجِد عجائب بَلغنِي أَن بَعضهم يطعن على أبي مُحَمَّد الْحجَّاج بن يُوسُف فعلي بن أبي طَالب من هُوَ ثمَّ جعل يبكي انْتهى
فَهَؤُلَاءِ مَا عرفُوا إِلَّا عليا المركون فِي مخيلتهم وَلم يعلمُوا عليا الْحَقِيقِيّ وَكَذَلِكَ الَّذين يطعنون على المتبعين لمَذْهَب السّلف يطعنون على قوم لَا وجود لَهُم إِلَّا فِي مخيلتهم الْفَاسِدَة وتصوراتهم المختلة وَلَو فَهموا حَقِيقَة الْقَوْم لانقادوا إِلَيْهِم وجعلوهم أَئِمَّة هدَاهُم وَلذَلِك وضعت كتابي خدمَة لهَذَا الْمَذْهَب الْحق ومشاركة لَهُم فِي إحيائه عله ينالني من الْأجر مَا ينالون وَمن الْخَيْر وَالْبركَة مَا يؤملون
وَلما رتبته وأتممته وسميته بالمدخل إِلَى مَذْهَب الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل وضمنته جلّ مَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته المشتغل بِهَذَا الْمَذْهَب وسلكت بِهِ مسلكا لم أجد غَيْرِي سلكه حَتَّى صَار بحيا يسْتَحق أَن يكون مدخلًا لسَائِر الْمذَاهب وَلَيْسَ على المخترع أَن يَسْتَوْفِي جَمِيع الْأَقْسَام بل عَلَيْهِ أَن يفتح الْبَاب ثمَّ لَا يَخْلُو فِيمَا بعد من مستحسن لَهُ يقف عِنْد مَا دونه أَو مُسْتَدْرك عَلَيْهِ بِذكر مَا أخل بِهِ أَو مُخْتَصر لَهُ يحذف مَا يرَاهُ من الزِّيَادَات يزعمه على أَنه لَا يُمكن الْإِنْسَان أَن يَأْتِي بِمَا يستحسنه جَمِيع الْبشر فَإِن هَذَا شَأْن الْعلي الْأَعْلَى جلّ وَعلا
ورتبت هَذَا الْمدْخل على ثَمَانِيَة عُقُود عدد أَبْوَاب الْجنان رَجَاء أَن يدخلنا الله يَوْم الْقِيَامَة مِنْهَا كلهَا وَهَذِه فهرست تِلْكَ الْعُقُود
1 / 46
العقد الأول فِي العقائد الَّتِي نقلت عَن الإِمَام المبجل أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل
العقد الثَّانِي فِي السَّبَب الَّذِي لأَجله اخْتَار كثير من كبار الْعلمَاء مَذْهَب الإِمَام أَحْمد على مَذْهَب غَيره
العقد الثَّالِث فِي ذكر أصُول مذْهبه فِي استنباط الْفُرُوع وَبَيَان طَرِيقَته
العقد الرَّابِع فِي مَسْلَك كبار أَصْحَابه فِي تَرْتِيب مذْهبه واستنباطه من فتياه وَالرِّوَايَات عَنهُ وتصرفهم فِي ذَلِك الْإِرْث المحمدي الأحمدي
العقد الْخَامِس فِي الْأُصُول الْفِقْهِيَّة الَّتِي دونهَا الْأَصْحَاب وَفِي فن الجدل
العقد السَّادِس فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ المؤلفون فِي فقه الإِمَام أَحْمد مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ المبتدىء
العقد السَّابِع فِي ذكر الْكتب الْمَشْهُورَة فِي الْمَذْهَب وَبَيَان طَريقَة بَعْضهَا وَمَا عَلَيْهِ من التعليقات والحواشي حسب الْإِمْكَان
العقد الثَّامِن فِي أَقسَام الْفِقْه عِنْد أَصْحَابنَا وَمَا ألف فِي هَذَا النَّوْع وَفِي هَذَا العقد دُرَر ورد الْعَجز على الصَّدْر
وَهَذِه طلائع تِلْكَ الْعُقُود وَمَا أودع فِيهَا من الْفقر والدرر وَالله الْمعِين
1 / 47
العقد الأول
فِي العقائد الَّتِي نقلت عَن الإِمَام المبجل أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل اعْلَم أننا ذاكرون إِن شَاءَ الله مَا كَانَ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد من الِاعْتِقَاد الَّذِي هُوَ مَذْهَب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين والسادة الْمُحدثين رضوَان الله عَلَيْهِم ولسنا نذْكر إِلَّا مَا نَقله لنا الثِّقَات من كَلَامه فِي هَذَا النَّوْع ليستغني بذلك أَتْبَاعه عَمَّا ألف فِي علم العقائد عُمُوما مِمَّا دخله التَّأْوِيل والتعطيل والتشبيه والتمثيل أَو حام حول الْحُلُول والاتحاد أَو كَانَ من قبيل مغالطة الْخصم فِي الجدل فَظَنهُ الغبي مذهبا لقائله فقلده بِهِ تقليدا أعمى فضل وأضل حَيْثُ إِن مسالك الجدل غير مسالك الِاعْتِقَاد وَأَنت إِذا طرحت التعصب وَنظرت فِي كتب عُلَمَاء الْكَلَام الموثوق بهم بإنصاف وسبرت غورهم فِي عقائدهم تجدها رَاجِعَة إِلَى عقيدة السّلف إِمَّا بالاضطرار وَإِمَّا بِصَرِيح التَّصْرِيح أَو التَّلْوِيح كَمَا جرى لأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فَإِنَّهُ لما ألف الْكتب فِي الرَّد على الْمُعْتَزلَة على طَريقَة فن الجدل أعلن أخيرا بِبَيَان عقيدته فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالإنابة عَن مَذْهَب أهل الْحق وَصرح فِيهِ بِأَن مذْهبه مَذْهَب الصَّحَابَة وتابعيهم بِإِحْسَان فَمن فهم مقاصده أصبح سلفيا
1 / 49
بحتا وَمن لم يفهم موارده الْتقط مسَائِل كتبه الَّتِي رد بهَا على الْمُعْتَزلَة على علاتها وَجعلهَا مذهبا لَهُ ونسبها إِلَى الْأَشْعَرِيّ وَمَا رَأَيْت أحدا من الأشاعرة كشف هَذَا الْمَعْنى ونادى بِالصَّوَابِ سوى الشَّيْخ مُحَمَّد بن يُوسُف السنوسي فَإِنَّهُ قَالَ فِي شرح لَهُ صَغِير على عقيدته الْمَشْهُورَة الْمُسَمَّاة بِأم الْبَرَاهِين عِنْد الْكَلَام على صفة الْكَلَام مَا نَصه وكنه هَذِه الصّفة يَعْنِي صفة الْكَلَام وَسَائِر صِفَات الله جلّ وَعز مَحْجُوب عَن الْعقل كالذات الْعلية فَلَيْسَ لأحد أَن يَخُوض فِي الكنه بعد مَا يجب لذاته سُبْحَانَهُ أَو لصفاته وَمَا يُوجد فِي الْكتب من التَّمْثِيل بالكمال النَّفْسِيّ إِنَّمَا هُوَ للرَّدّ على الْمُعْتَزلَة حَيْثُ قَالُوا إِن الْكَلَام لَا يُوجد من غير حرف وَلَا صَوت فَقَالَ أهل السّنة إِنَّا نجد لنا كلَاما نفسيا بِلَا حرف وَلَا صَوت وَفِيه من كَلَام الفصحاء إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا
وَمَا قصدُوا إِلَّا التَّمْثِيل من حَيْثُ الْحَرْف وَالصَّوْت فَقَط أما الْحَقِيقَة فَجلت صِفَات الله أَن يماثلها شَيْء من صِفَات خلقه فَإِن كلامنا النَّفْسِيّ فِيهِ حُرُوف متعاقبة تنعدم وتحدث وَيُوجد فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وترتيب وَغير ذَلِك فاعرف هَذَا فقد زلت هُنَا أَقْدَام لم تؤيد بِنور من الْملك العلام
هَذَا كَلَامه فقد صرح بِالْحَقِّ وَلم يخْش فِيهِ لومة لائم ولي فِي هَذَا مَسْلَك
1 / 50
آخر وَهُوَ أَن الْأَعْيَان إِمَّا جَوَاهِر وَإِمَّا أَعْرَاض وَالْكَلَام لَا شكّ فِي أَنه عرض يحْتَاج إِلَى مَحل يقوم بِهِ وَهُوَ الْجَوْهَر وَهُوَ يَقْتَضِي أَن وجود الْجَوْهَر سَابق على وجود الْعرض فَإِذا قُلْنَا بالْكلَام النَّفْسِيّ لزم أَن يكون ذَلِك الْعرض قَائِما بالجوهر وَهُوَ النَّفس وَلزِمَ مِنْهُ إِثْبَات النَّفس لله تَعَالَى وحدوث الْكَلَام ضَرُورَة أَن الْعرض حَادث لَا محَالة وَحِينَئِذٍ فإمَّا أَن نبقي الْكَلَام على ظَاهره وندعي حُدُوث كَلَامه تَعَالَى وَثُبُوت النفسية لَهُ تَعَالَى وَهُوَ خلاف الْمَطْلُوب تنزيهه تَعَالَى عَن سمات الْحَوَادِث وَيلْزم مِنْهُ أَن الْكَلَام صفة لله تَعَالَى قَائِمَة بِذَاتِهِ وَهُوَ حَادث والمركب من الْحَادِث وَالْقَدِيم حَادث وينتج الدَّلِيل أَنه تَعَالَى حَادث وَهُوَ خلاف الْمُدعى لِأَنَّهُ إِقَامَة الدَّلِيل على قدم الصِّفَات والذات مَعًا وَإِمَّا أَن نجنح إِلَى التَّأْوِيل فَنَقُول كَلَام نَفسِي يَلِيق بِذَاتِهِ فَيُقَال لَهُ حِينَئِذٍ قل من أول الْأَمر وكلم الله مُوسَى تكليما بِكَلَام يَلِيق بِذَاتِهِ تَعَالَى وَاقْتصر على هَذَا ودع عَنْك ذَلِك التَّطْوِيل الَّذِي لَيْسَ هُوَ من شَأْن البلغاء والعقلاء وَمثل هَذَا يُقَال فِي تَأْوِيل الْيَد بِالْقُدْرَةِ والاستواء بِالِاسْتِيلَاءِ فَإِن الْقُدْرَة صفة مُشْتَركَة بَين الْخَالِق والمخلوق فَإِذا قلت بهَا لزمك أَن تَقول قدرَة تلِيق بِذَاتِهِ تَعَالَى فاطرح هَذَا وَقل يَد تلِيق بِذَاتِهِ تَعَالَى وَأَيْضًا فالقدرة عرض تحْتَاج إِلَى أَن تقوم بالجوهر وَيلْزم فِي ذَلِك مَا لزم فِي صفة الْكَلَام من الْحُدُوث لله تَعَالَى وَأما الِاسْتِيلَاء فَإِن مادته تَقْتَضِي سبق مستول سَابق وَأَن الثَّانِي قهر الأول وَاسْتولى على مَا كَانَ مستوليا عَلَيْهِ فليت شعري من كَانَ المستولي أَولا على الْعَرْش حَتَّى إِن الله تَعَالَى قهره وَاسْتولى عَلَيْهِ أَلا يرى أَن قَوْلهم اسْتَوَى بشر على الْعرَاق
1 / 51