335

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

محقق

محمد المعتصم بالله البغدادي

الناشر

دار الكتاب العربي

الإصدار

السابعة

سنة النشر

١٤٢٣ هجري

مكان النشر

بيروت

وَالْعَصْرُ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَيَنْقُرُونَهَا نَقْرَ الْغُرَابِ، إِذْ هِيَ صَلَاةُ الْأَبْدَانِ، لَا صَلَاةُ الْقُلُوبِ، وَيَلْتَفِتُونَ فِيهَا الْتِفَاتَ الثَّعْلَبِ، إِذْ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مَطْرُودٌ مَطْلُوبٌ، وَلَا يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ، بَلْ إِنْ صَلَّى أَحَدُهُمْ فَفِي الْبَيْتِ أَوِ الدُّكَّانِ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، هَذِهِ مُعَامَلَتُهُمْ لِلْخَلْقِ، وَتِلْكَ مُعَامَلَتُهُمْ لِلْخَالِقِ، فَخُذْ وَصْفَهُمْ مِنْ أَوَّلِ الْمُطَفِّفِينَ، وَآخِرِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ فَلَا يُنْبِئُكُ عَنْ أَوْصَافِهِمْ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] فَمَا أَكْثَرَهُمْ! وَهُمُ الْأَقَلُّونَ، وَمَا أَجْبَرَهُمْ! وَهُمُ الْأَذَلُّونَ، وَمَا أَجْهَلَهُمْ! وَهُمُ الْمُتَعَالِمُونَ، وَمَا أَغَرَّهُمْ بِاللَّهِ! إِذْ هُمْ بِعَظَمَتِهِ جَاهِلُونَ ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦] .
إِنْ أَصَابَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَافِيَةٌ وَنَصْرٌ وَظُهُورٌ سَاءَهُمْ ذَلِكَ وَغَمَّهُمْ، وَإِنْ أَصَابَهُمُ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ وَامْتِحَانٌ يُمَحِّصُ بِهِ ذُنُوبَهُمْ، وَيُكَفِّرُ بِهِ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ أَفْرَحَهُمْ ذَلِكَ وَسَرَّهُمْ، وَهَذَا يُحَقِّقُ إِرْثَهُمْ وَإِرْثَ مَنْ عَدَاهُمْ، وَلَا يَسْتَوِي مَنْ مَوْرُوثُهُ الْمُنَافِقُونَ ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ - قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥٠ - ٥١] وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ السَّلَفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَالْحَقُّ لَا يَنْدَفِعُ بِمُكَابَرَةِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالتَّخْلِيطِ، ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] .
كَرِهَ اللَّهُ طَاعَاتِهِمْ، لِخُبْثِ قُلُوبِهِمْ وَفَسَادِ نِيَّاتِهِمْ، فَثَبَّطَهُمْ عَنْهَا وَأَقْعَدَهُمْ، وَأَبْغَضَ قُرْبَهُمْ مِنْهُ وَجِوَارَهُ، لِمَيْلِهِمْ إِلَى أَعْدَائِهِ، فَطَرَدَهُمْ عَنْهُ وَأَبْعَدَهُمْ، وَأَعْرَضُوا عَنْ وَحْيِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَأَشْقَاهُمْ وَمَا أَسْعَدَهُمْ، وَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمٍ عَدْلٍ لَا مَطْمَعَ لَهُمْ فِي الْفَلَاحِ بَعْدَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنَ التَّائِبِينَ، فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَتَهُ

1 / 362

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين | أصول