585

معارج القبول بشرح سلم الوصول

محقق

عمر بن محمود أبو عمر

الناشر

دار ابن القيم

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

مكان النشر

الدمام

هَلْ كَانَ فِيهِمْ مُنْكِرٌ لِلْخَالِقِ الْـ ... ـرَبِّ الْعَظِيمِ مُكَوِّنِ الْأَكْوَانِ
فليبشروا ما فيهمو مِنْ كَافِرٍ ... هُمْ عِنْدَ جَهْمٍ كَامِلُو الْإِيمَانِ١
وَقَالَتِ الْمُرْجِئَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ دُونَ عَقْدِ الْقَلْبِ، فَيَكُونُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى هَذَا مُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَهُمْ قَدْ نَطَقُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ وَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﷿ فِي دَعْوَاهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: التَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مُخْرِجٌ لِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
وَذَهَبَ الْخَوَارِجُ وَالْعَلَّافُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِلَى أَنَّهُ الطَّاعَةُ بِأَسْرِهَا فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَهَذَا الْقَوْلُ مُصَادِمٌ لِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ لِوُفُودِ الْعَرَبِ السَّائِلِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. وَكُلَّ مَا يَقُولُ لَهُ السَّائِلُ فِي فَرِيضَةٍ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا" ٢.
وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَصْرِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ الطَّاعَاتُ الْمَفْرُوضَةُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ دُونَ النَّوَافِلِ، وَهَذَا أَيْضًا يُدْخِلُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْإِيمَانِ وَقَدْ نَفَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَالَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ: الْعَمَلُ وَالنُّطْقُ وَالِاعْتِقَادُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ الْأَعْمَالِ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، بَلْ جَعَلُوا كَثِيرًا مِنْهَا شَرْطًا فِي الْكَمَالِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهَا: مَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ٣، وَالْمُعْتَزِلَةُ جَعَلُوهَا كُلَّهَا شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١ هي النونية وهي الشوكة في عيون أهل البدع وحلوقهم، وقد شرحت عدة مرات مطبوعة.
٢ رواه البخاري "١/ ١٠٦" في الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، وغيرها. ومسلم "١/ ٤٠، ٤١/ ح١١" في الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
٣ تقدم ذكره.

2 / 602