455

معارج القبول بشرح سلم الوصول

محقق

عمر بن محمود أبو عمر

الناشر

دار ابن القيم

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

مكان النشر

الدمام

عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَكَيْفِيَّةَ تِلْكَ الْعِبَادَةِ وَشَرَائِطَهَا، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مَرْجِعُهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّهُمْ لَا تَسْتَمِرُّ لَهُمْ طَرِيقٌ إِلَّا بِشَخْصٍ خَاصٍّ عَلَى شَكْلٍ خَاصٍّ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا اتَّخَذَ أَصْحَابُ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالْكَوَاكِبِ أَصْنَامًا زَعَمُوا أَنَّهَا عَلَى صُوَرِهَا، فَوَضْعُ الصَّنَمِ إِنَّمَا كَانَ فِي الْأَصْلِ عَلَى شَكْلِ مَعْبُودٍ غَائِبٍ فَجَعَلُوا الصَّنَمَ على شكله وهيئته وَصُورَتِهِ؛ لِيَكُونَ نَائِبًا مَنَابَهُ وَقَائِمًا مَقَامَهُ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عَاقِلًا لَا يَنْحِتُ خَشَبَةً أَوْ حَجَرًا بِيَدِهِ ثُمَّ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِلَهُهُ وَمَعْبُودُهُ.
وَمِنْ أَسْبَابِ عِبَادَتِهَا أَيْضًا أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ فِيهَا وَتُخَاطِبُهُمْ مِنْهَا وَتُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ وَتَدُلُّهُمْ عَلَى بَعْضِ مَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يُشَاهِدُونَ الشَّيْطَانَ، فَجَهَلَتُهُمْ وَسَقَطُهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الصَّنَمَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ الْمُخَاطِبُ١، وَعُقَلَاؤُهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ تِلْكَ رُوحَانِيَّاتِ الْأَصْنَامِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهَا الْمَلَائِكَةُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهَا هِيَ الْعُقُولُ الْمُجَرَّدَةُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هِيَ رُوحَانِيَّاتُ الْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ بَلْ إِذَا سَمِعَ الْخِطَابَ مِنَ الصَّنَمِ اتَّخَذَهُ إِلَهًا وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ مَفْتُونُونَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهَا إِلَّا الْحُنَفَاءُ أَتْبَاعُ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَعِبَادَتُهَا فِي الْأَرْضِ مِنْ قَبْلِ نُوحٍ ﵇ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَيَاكِلُهَا وَوُقُوفُهَا وَسَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا وَالْكُتُبُ المصنفة في شرائع عِبَادَتِهَا طَبَقُ الْأَرْضِ. قَالَ إِمَامُ الْحُنَفَاءِ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٥، ٣٦]، وَالْأُمَمُ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْوَاعِ الْهَلَاكِ كُلُّهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ كَمَا قَصَّ اللَّهُ ﷿ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنْجَى الرُّسُلَ وَأَتْبَاعَهُمْ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ. وَيَكْفِي فِي مَعْرِفَةِ كَثْرَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ

١ انظر تفصيل ذلك في "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

2 / 472