453

معارج القبول بشرح سلم الوصول

محقق

عمر بن محمود أبو عمر

الناشر

دار ابن القيم

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

مكان النشر

الدمام

الَّذِينَ صَوَّرُوا تِلْكَ الْأَصْنَامَ عَلَى صُوَرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ ﵇؛ وَلِهَذَا لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُتَّخِذِينَ عَلَى الْقُبُورِ الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ، وَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ، وَسَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ قَبْرَهُ وَثَنًا يُعْبَدُ، وَنَهَى أُمَّتَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ عِيدًا، وَقَالَ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" ١ وَأَمَرَ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ وَطَمْسِ التَّمَاثِيلِ. قُلْتُ: وَسَنَذْكُرُ الْأَحَادِيثَ الْمُسْنَدَةَ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا خِلَافَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، إِمَّا جَهْلًا وَإِمَّا عِنَادًا لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَلَمْ يَضُرُّهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى عَوَامِّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا خَوَاصُّهُمْ فَإِنَّهُمُ اتَّخَذُوهَا بِزَعْمِهِمْ عَلَى صُوَرِ الْكَوَاكِبِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْعَالَمِ عِنْدَهُمْ، وَجَعَلُوا لَهَا بُيُوتًا وَسَدَنَةً وَحُجَّابًا وَحَجًّا وَقُرْبَانًا، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا فِي الدُّنْيَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ فَمِنْهَا بَيْتٌ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ بِأَصْبَهَانَ كَانَتْ بِهِ أَصْنَامٌ أَخْرَجَهَا بَعْضُ مُلُوكِ الْمَجُوسِ وَجَعَلَهُ بَيْتَ نَارٍ، وَمِنْهَا بَيْتٌ ثَانٍ وَثَالِثٌ وَرَابِعٌ بِصَنْعَاءَ بَنَاهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى اسْمِ الزُّهْرَةِ فَخَرَّبَهُ عُثْمَانُ ﵁. وَمِنْهَا بَيْتٌ بَنَاهُ قَابُوسٌ الْمَلِكُ عَلَى اسْمِ الشَّمْسِ بِمَدِينَةِ فَرْغَانَةَ، فَخَرَّبَهُ الْمُعْتَصِمُ، وَأَشَدُّ الْأُمَمِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الشِّرْكِ الْهِنْدُ. قَالَ يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ: إِنَّ شَرِيعَةَ الْهِنْدِ وَضَعَهَا لَهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: بَرْهُمَنْ وَوَضَعَ لَهُمْ أَصْنَامًا وَجَعَلَ أَعْظَمَ بُيُوتِهَا بَيْتًا بِمَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ السِّنْدِ، وَجَعَلَ فِيهِ صَنَمَهُمُ الْأَعْظَمَ وَزَعَمَ أَنَّهُ بِصُورَةِ الْهُيُولِي الْأَكْبَرِ، وَفُتِحَتْ هَذِهِ الْمَدِينَةُ فِي أَيَّامِ الْحَجَّاجِ وَاسْمُهَا الْمِلْتَانُ. إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: وَأَصْلُ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ مُشْرِكِي الصَّابِئَةِ وَهُمْ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ الَّذِينَ نَاظَرَهُمْ فِي بُطْلَانِ الشِّرْكِ وَكَسَرَ حُجَّتَهُمْ بِعَمَلِهِ، وَآلِهَتَهُمْ بِيَدِهِ فَطَلَبُوا تَحْرِيقَهُ. وَهَذَا مَذْهَبٌ قَدِيمٌ فِي الْعَالَمِ وَأَهْلُهُ طَوَائِفُ شَتَّى فَمِنْهُمْ عُبَّادُ الشَّمْسِ زَعَمُوا أَنَّهَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَهَا نَفْسٌ وَعَقْلٌ، وَهِيَ أَصْلُ نُورِ الْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ، وَتَكُونُ الْمَوْجُودَاتُ السُّفْلِيَّةُ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ مِنْهَا، وَهِيَ عِنْدَهُمْ مَلَكُ الْفَلَكِ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَالسُّجُودَ وَالدُّعَاءَ. وَمِنْ شَرِيعَتِهِمْ فِي عِبَادَتِهَا أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا لَهَا صَنَمًا بِيَدِهِ جَوْهَرٌ عَلَى نَوْعِ النَّارِ، وَلَهُ بَيْتٌ خَاصٌّ قَدْ بَنَوْهُ

١ حديث وسيأتي.

2 / 470