ما يجوز للشاعر في الضرورة
محقق
الدكتور رمضان عبد التواب، الدكتور صلاح الدين الهادي
الناشر
دار العروبة
مكان النشر
الكويت - بإشراف دار الفصحى بالقاهرة
تصانيف
•علم قرض الشعر
مناطق
•تونس
الإمبراطوريات و العصور
الزيريون والحماديون (تونس، شرق الجزائر)، ٣٦١-٥٤٧ / ٩٧٢-١١٥٢
ـ[ما يجوز للشاعر في الضرورة]ـ
المؤلف: القزاز القيرواني المتوفى ٤١٢ هـ
حققه وقدم له وصنع فهارسه: الدكتور رمضان عبد التواب، الدكتور صلاح الدين الهادي
الناشر: دار العروبة، الكويت - بإشراف دار الفصحى بالقاهرة
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة غير معروفة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
قال أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي:
هذا كتابٌ أذكر فيه، إن شاء الله، ما يجوز للشاعر عند الضرورة، من الزيادة والنقصان، والاتّساع في سائر المعاني، من التقديم والتأخير، والقلب والإبدال، وما يتصل بذلك من الحجج عليه، وتبيين ما يمرّ من معانيه، فأردّه إلى أصوله، وأقيسه على نظائره، وهو باب من العِلْم لا يَسَعُ الشاعرَ جهلُه، ولا يستغني عن معرفته؛ ليكون له حجَّةً لما يقع في شعره، مما يضطر إليه من استقامة قافية، أو وزن بيت، أو إصلاح إعراب.
وذلك أن كثيرًا ممن يطلب الأدب، وأخذ نفسه بدراسة الكتب، إذا مرَّ به بيتٌ لشاعر من أهل عصره، أو لطالب من نظرائه، فيه تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان، أو تغيير حركة عما حفظ، من الأصول المؤلفة
1 / 99
له في الكتب، أخذ في التشنيع عليه، والطعن على علمه، والإجماع على تخطئته.
ولو نظر بعين الحق، لعلم أن ذلك لا يُخَرَّج إلا من وجهين: إما أن يكون ذلك جائزًا، لعلل تغيَّبت عنه، لم يبلغ النهاية من علمها، وهو كذلك، ووهمه الذي لعلَّه إن نُبِّه عليه، أو أعاد نظره فيه، رجع عنه إلى الصواب، وتخطاه إلى مالا مَطْعَنَ فيه من الكلام، إذ كان غير معصوم من الخطأ، ولا ممنوع من الزَّلَل.
فليس للناظر في الأصول مع تأخره عن الإحاطة بسائر الفروع، الهجومُ على ما لَعلَّه جائز عند المتقدمين في العلم، الناظرين بعين الحقّ؛ كأخذهم على أبي نواس، في قوله:
نَبِّه نَدِيمَك قد نَعَسْ ... يَسْقيكَ كأسًا في غَلَسْ
قالوا: كان الوجهُ يَسْقِكَ؛ لأنه جواب الأمر، وهو جزمٌ، تسقط له الباءُ من يسقيك، كما تقول في مثله: ارْمِ زَيْدًا يَرْمِك، فتحذف الياء للجزم.
وهذا على ما أُصِّل في الكتب المختصرات على ما قيل، غير أن لجوازه وجهًا من العربية، وهو أن الشاعر له أن يُجْرِيَ المعتلّ مُجرى السالم، فيتوهم
1 / 100
أن الياء كانت متحركةً، وأنه أسكنها للجزم على أصل ما يفعل في السالم.
ومثله قوله الشاعر:
ثم نادِي إذا دخلت دِمَشْقًا ... يا يزيدَ بن خالدِ بن يزيدِ
فقال: نادِي وهو أمرٌ، فأثبت الياء على ما ذكرنا، وهو كثير يمرُّ في داخل الكتاب؛ لأن هذا موضعُ اختصار.
وأُخذ أيضًا عليه قولُه:
كَمَنَ الشَّنْآنُ فيه لنا ... ككُمون النار في حَجَرِهْ
قالوا: والنار مؤنثة، فكان الوجهُ أن يقول: ككمون النار في حجرها. وهذا ظاهِرُهُ على ما قالوا، ولكنَّ العربَ تتَّسع، فتذكِّر المؤنث لمعنى تُخْرِجه له، يَئُول به إلى التذكير؛ كما قال امرؤ القيس:
بَرَهْرَهَةٌ رَخْصَةٌ رُؤْدَةٌ ... كخُرعوبةِ البانةِ المنفطرْ
1 / 101
فذكَّر الخُرعوبةَ والبانةَ، لأنه يريد الغصنَ أو نحوه من المذكر. وكما قال الآخر:
لو كان مِدْحةُ حَيٍّ مُنْشِرًا أحدًا ... أحيَا أباكنَّ يا لَيْلَى الأَمادِيحُ
فقال: منشرًا وهو للمِدحة فذكّر؛ لأنه يريد المدح أو غيره، مما هو في معناه من المذكّر. وكثير مثل هذا يُذكر في مواضعه.
هذا، على أن بعض النحويين يقول: كل ما لا رُوح له، يجوز تذكيرُه وتأنيثه. وهذا، وإن لم يكن بشيء، فقد ذكرنا ما يعضدّه من شعر العرب، ونذكر فيما يُستقبل أكثر من هذا.
على أن بيت أبي نواس له وجه، لا ضرورة فيه، وهو أن الكُمون مذكَّر مضاف إلى النار، فيرد الهاء عليه، فكأنه قال: ككمون النار في حجر الكمون، أي في الحجر الذي يكمن فيه النار.
1 / 102
وأخذ عليه قوله:
كيف لا يُدْنيك مِن أمَلٍ ... مَنْ رسولُ الله من نَفَرِهْ
قالوا: وهذا قلب المعنى، وإنما الوَجْهُ: مَنْ هو مِنْ نفر رسول الله. وهذا ليس فيه نَقْصٌ، لأنه إذا كان من نفر رسول الله، فرسول الله من نفره.
ومنه قول الآخر:
وما زال في الإسلام من آل هاشمٍ ... دعائمُ عِزٍّ لا تُرَامُ ومَفْخَرُ
بهاليلُ منهم جعفرٌ وابنُ أُمِّه ... عَلِيٌّ ومنهم أحمدُ المتخيَّرُ
فجعل مَنْ ذَكَرَ منهم، كما جعل الأوّل محمّدًا ﷺ، من نفر الممدوح.
وأُخذ عليه قوله:
شَمُولٌ تخطَّاها المنونُ فقد أتتْ ... سِنُونٌ لها في دّنِّها وسِنُونُ
تُراثُ أناسٍ عن أناس تُخُرِّمُوا ... توارَثَها بعد البنين بَنُونُ
1 / 103
فقالوا: رفع نون الجميع. وهذا قد ذكره النحويون أنه يجوز في اضطرار الشعر، وأن العرب تُجرى النُّون الزائدة مُجرى الأصلية، فتعربها، وتجعله بمنزلة كلمة واحدة.
وكأخذهم على أبي تمام:
من كلِّ أظمَى الثَّرى والأرضُ مُخْلِفَةٌ ... ومقشعرُّ الرُّبا والشمسُ في الحَمَلِ
قالوا: والوجه ظمآن الثرى؛ لأن الواحدة ظمأى، كعطشان وعَطْشَى.
وإن كان كما زعموا، فإن للشاعر أن يَرُدَّ مذكّر فَعْلَى إلى مذكّر فعلاء؛ إذ كان كل واحد منهما مقيسًا على صاحبه؛ وذلك أن فَعْلاَن هذا مضارع لفَعْلاء، فالألف والنون في آخره، كالهمزة والألف في آخر فَعلاء، وخالفوا بين مذكّره ومؤنثه، كما خالفوا بين مذكّر أفعل ومؤنثه في اللفظ. فلما اضطر أجرى مذكر فَعْلى مُجرى مذكر فَعلاء.
وأيضًا فإن العرب تقول: رُمْحٌ أظمَى، إذا كان أسمر، وقَناةٌ
1 / 104
ظميَاءُ، إذا كانت كذلك، فجوز أن يكون المعنى: من كل أسود الثرى والأرض مُخلفة، ألا تراه أسْوَدَ لِمَحْلِهِ، وذلك يدل على الجَدْب، فيكون هذا لا ضرورة فيه.
وأُخذ عليه قوله:
أظنُّ دموعَها سَنَنَ الفَريدِ ... وَهَي سِلْكاه من نَحْرٍ وجِيدِ
قالوا: فالسَّنَنُ الطريق، وأضاف إليها الفريد، وشبه الدموع بها. وكان الوجه أن يقول: أظن دموعها الفريد؛ لأنه هو الذي يشبه الدموع، لا طريقُه، وإنما أراد: أظن سَنَنَ دموعها سَنَنَ الفريد؛ يريد أن يشبّه تتابُعَ الدموع، وهو سَنَنَُه، بتتابع الفريد، إذا وهي سِلْكُه.
ومثل هذا في شعر العرب كثير، منه قول الشاعر:
وشرُّ المنايا مَيِّتٌ وَسْطَ أهلِه ... كُهلْك الفَتى قد أسْلَم الحَيَّ حاضِرُهْ
فقال: وشر المنايا ميّت، وإنما يريد: وشر المنايا منية ميت، كما
1 / 105
قال هذا: أظن دموعها سنن الفريد، يريد: أظن سنن دموعها.
وأخذهم على أبي الطيب أحمد بن الحسين:
أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيْلَتُنا المَنُوطةُ بالتّنادِ
قالوا: فغلط في هذا البيت في وجوه منها: أنه صرف أحاد، والعرب لا تعربه، وإنما تجعله مبنيًا؛ كقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . ... أُحادَ أُحادَ في الشّهر الحَرَامِ
وقال: سداس، والعرب لم تجاوز في العَدَد رُباع
1 / 106
وقال: لييلتنا، والعرب إذا صغرت ليلة قالت: لُيَيْلِيَة، فحذف هذا الياءَ من آخره.
فأما قوله: أحادٌ، فهو وجه الكلام هاهنا، ولا يكون غيرُه، وليس هو مما قال الشاعر في قوله:
. . . . . . . . . . . . ... أُحادَ أُحادَ في الشهر الحرام
وذلك أن العرب إذا قالت هذا، فكأن فيه معنى الموالاة، وكان ممنوعًا من الصرف؛ لأنه يجتمع فيه علّتان: إحداهما العَدْل، والأخرى أنه يؤدي عن معنى آخر؛ وذلك إذا قال: جاءني القوم مثنى مثنى كان معدولًا عن اثنين، يؤدي عن معنى: اثنين اثنين. ولما قال هذا الشاعر: أحاد كان معناه: واحد في ستة أم ستة في واحد، فهو معدول عن واحد يؤدي عن معنى واحد، فليس فيه إلا علة واحدة، فلذلك انصرف، كما أن طُوَالًا معدول عن طويل، وهو بمعنى طويل، فهو منصرف.
وأما قولهم: إن العرب لم تجاوز في العَدد رُباع، ادِّعاء منهم؛
1 / 107