470

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

الناشر

دار القاسم

سنة النشر

١٤٢٧ هجري

وكان مالك - رحمه الله - يقول: من سُئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها، وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله - عز وجل - ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٦] فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يُسأل عنه يوم القيامة، وقال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسألَ من هو أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك ولو نهياني انتهيت، قال: وإذا كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم المسائل ولا يُجيب أحد منهم عن مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رزقوا من السّداد والتوفيق والطهارة، فكيف بنا الذين غطت الذنوب والخطايا قلوبنا. وكان - رحمه الله - إذا سُئل عن مسألة فكأنه واقف بين الجنة والنار، وقال عطاء بن أبي رباح: أدركتُ أقواماً إن كان أحدُهم لُيُسأل عن شيء فيتكلم وإنهً ليرعد.

وسئل النبي ﷺ: أيَّ البلاد شر؟ فقال: ((لا أدري حتى أسألَ جبريل)) فسأله فقال: ((أسواقها)).

وقال الإمام أحمد: من عرض نفسه للفُتيا فقد عرَّضها لأمر عظيم إلا أنه قد تلجئ الضرورة، وسُئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري فقيل له: ألا تستحي من قولك لا أدري وأنت فقيه أهل العراق فقال: لكنَّ الملائكة لم تستحي حين ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].

وقال بعضُ أهل العلم: تعلم لا أدري، فإنك إن قلت لا أدري، علّموك حتى تدري وإن قلت: أدري سألوك حتى لا تدري، وقال عتبة بن مسلم صحبت ابن عمر أربعةً وثلاثين شهراً فكان كثيراً ما يسأل فيقول: لا أدري، وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتياً ولا يقول شيئاً إلا قال: اللهم سلَّمني وسلم مني.

وسئل الشافعي عن مسألة فسكت، فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب. وقال ابنُ أبي ليلى: أدركت مائةً وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يُسأل أحدهم عن المسألة فيردَّها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا، حتى ترجعَ إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء

468

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام | أصول